تاريخ ومزارات

نهاية ثعلب الصحراء.. من رمال أفريقيا إلى السم القاتل في هيرلنغن

في أوائل عام 1943، بدأت موازين الحرب في شمال أفريقيا تميل ضد إرفين رومل، القائد الألماني الذي عُرف بلقب ثعلب الصحراء، فبعد سنوات من المناورات الجريئة والانتصارات السريعة التي أربكت الجيش البريطاني وأجبرته على التراجع من طبرق حتى تخوم العلمين، وجد رومل نفسه محاصرا في تونس، يواجه قوات الحلفاء التي تفوقت عليه عددا وعتادا وتنظيما.

نهاية ثعلب الصحراء

في صباح السادس من مارس عام 1943، وتحت شمس الصحراء التونسية القاسية قرب مدنين، أطلق رومل آخر هجوم له على أرض أفريقيا، حمل الهجوم اسم عملية كابري، وكان محاولة أخيرة لإرباك القوات البريطانية وكسب بعض الوقت قبل الانهيار المتوقع غير أن البريطانيين كانوا على استعداد كامل، فقد أعدوا دفاعاتهم بعناية، ونصبوا المدافع المضادة للدبابات في مواقع محكمة اشتعلت المعركة بعنف، لكن نتيجتها جاءت سريعة وقاسية، إذ احترقت عشرات الدبابات الألمانية فوق الرمال، وانتهى الهجوم من دون أي اختراق حقيقي للخطوط البريطانية.

عند هذه النقطة، أدرك أدولف هتلر أن خطر وقوع رومل في الأسر بات قريبا، وفي التاسع من مارس 1943، أصدر أمرا عاجلا باستدعائه إلى برلين، بعد أن كان قد رقاه في وقت سابق إلى رتبة مشير تكريما لانتصاراته السابقة في الصحراء، غادر رومل شمال أفريقيا للمرة الأخيرة، تاركا خلفه الفيلق الأفريقي الذي لم يصمد طويلا بعد رحيله، إذ استسلم في السابع من مايو 1943، لتنتهي بذلك ملحمة عسكرية دامت قرابة ثمانية وعشرين شهرا من أعنف فصول الحرب العالمية الثانية.

عاد رومل إلى ألمانيا، لكن الحرب لم تتركه وشأنه، ففي صيف عام 1944، وأثناء وجوده في جبهة نورماندي، هاجمت طائرة بريطانية سيارته، فأصيب بجروح خطيرة أبعدته عن القيادة الميدانية، ونقل بعدها للعلاج ثم أرسل للراحة في منزله الصغير بمدينة هيرلنغن جنوب ألمانيا.

غير أن العاصفة الحقيقية لم تكن في ساحات القتال، فبعد فشل محاولة اغتيال هتلر في العشرين من يوليو 1944، بدأت أجهزة النظام النازي حملة تحقيق واسعة طالت كبار القادة، وتوصلت الجستابو إلى أن بعض المتآمرين حاولوا كسب تأييد رومل، لما يتمتع به من شعبية جارفة داخل الجيش وبين الشعب الألماني، ورغم أن رومل لم يشارك في المؤامرة، فإنه لم يبلغ عنها، وهو ما اعتبره النظام خيانة صامتة.

في صباح الرابع عشر من أكتوبر 1944، وتحت سماء غائمة باردة، وصل إلى منزل رومل جنرالان مقربان من هتلر، فيلهلم بورغدورف وإرنست مايسل، جلس الثلاثة في غرفة هادئة، ووضعا أمامه خيارين لا ثالث لهما، إما محاكمة علنية أمام محكمة الشعب بتهمة الخيانة العظمى، تنتهي بإعدامه وتشويه سمعته وتعريض عائلته للعار، أو تناول قرص صغير من السيانيد ينهي حياته خلال ثوان، مقابل جنازة رسمية وحماية زوجته وابنه من أي انتقام.

وقف رومل للحظة ينظر من النافذة إلى السماء، ثم التفت إلى صورة عائلته، كان يدرك أن صمته فُسر على أنه تواطؤ، وأن الشرف العسكري الذي عاش من أجله سيتحول إلى مهانة إذا اقتيد إلى محاكمة صورية، ودع زوجته لوسي بهدوء، وغادر المنزل برفقة الضابطين في سيارة عسكرية.

وبعد وقت قصير، أعلنت السلطات النازية رسميا أن المشير إرفين رومل توفي متأثرا بجراحه القديمة التي أصيب بها في نورماندي، أقيمت له جنازة رسمية بأمر مباشر من هتلر، ودفن كبطل قومي، بينما طويت الحقيقة الكاملة لسنوات طويلة خلف ستار الصمت والخوف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى