تاريخ ومزارات

مسجد عكاشة بن محصن في القدس ذاكرة الصحابة وصمود الهوية الإسلامية

في قلب مدينة القدس المحتلة يقف مسجد عكاشة بن محصن شاهدا حيا على تاريخ إسلامي عريق، يروي قصص الصحابة والفتح الإسلامي، ويجسد معنى الأصالة والصمود في مواجهة محاولات التهويد والطمس، هذا المسجد لم يكن مجرد مبنى للعبادة، بل ظل عبر العقود رمزا لهوية دينية وتاريخية تتعرض للاستهداف الممنهج منذ احتلال المدينة، حيث شهد منذ بنائه اعتداءات متكررة سعت إلى تغيير معالمه وطمس طابعه الإسلامي.

موقع مسجد عكاشة 

يقع مسجد عكاشة غرب مدينة القدس، شمال البلدة القديمة، بالقرب من حي المصرارة، في منطقة تحولت مع الزمن إلى فضاء محاصر بالحدائق والمباني التابعة للأحياء اليهودية، في محاولة لعزل المسجد عن محيطه العربي والإسلامي.

سبب تسمية مسجد عكاشة 

حمل المسجد اسمه تيمنا بالصحابي الجليل عكاشة بن محصن رضي الله عنه، أحد كبار صحابة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والذي ارتبط اسمه بالجهاد والسبق في الإسلام، ويعتقد أنه دُفن في هذا الموضع بعد قدومه إلى القدس في زمن الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي.

التاريخ والجذور الإسلامية

شيد مسجد عكاشة في أواخر العصر العثماني خلال القرن التاسع عشر، ويقع مقابل القبة القيمرية، وهي معلم إسلامي بارز في الجهة الشمالية الغربية من القدس، ويرتبط الموقع بكوكبة من الشهداء المجاهدين الذين دفنوا في المنطقة، والتي عرفت تاريخيا باسم مقابر الشهداء.

تعود القبة القيمرية إلى العصر المملوكي في القرن الثالث عشر، ودفن فيها عدد من أمراء وقادة الجهاد من الأيوبيين والمماليك، من أبرزهم الأمير الشهيد حسام الدين أبو الحسن بن أبي الفوارس القيمري، والأمير ضياء الدين موسى بن أبي الفوارس، والأمير حسام الدين خضر القيمري، والأمير ناصر الدين أبو الحسن القيمري، إضافة إلى الأمير ناصر الدين محمد جابر بك، أحد أمراء الطبلخانة في الشام وناظر الحرمين في القدس والخليل، كما تضم المنطقة مقابر أخرى لمجاهدين ساهموا في الدفاع عن المدينة المقدسة.

الاعتداءات والانتهاكات

تعرض مسجد عكاشة والقبة القيمرية لاعتداءات خطيرة خلال أحداث ثورة البراق في السادس والعشرين من أغسطس عام 1929، حيث اقتحم جنود الاحتلال المكان، ودنسوا المصاحف، ونزعوا لوحة فضية كتب عليها اسم عكاشة كانت قد صنعت في إسطنبول، كما سرقوا مبلغا من المال من منزل إمام المسجد، وبعد أيام وجه الإمام نداء إلى الحاج أمين الحسيني رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، طالب فيه بالمساعدة لإعادة بناء القبر، وتوفير غرف لإقامة الحجاج المسلمين، وبناء جدار يحمي المسجد وعائلته.

وفي تلك الفترة كان الإمام وعائلته العرب الوحيدين المتبقين في الحي، الذي كان في بدايات القرن العشرين حيا مختلطا بين العرب واليهود، قبل أن تتغير تركيبته السكانية بفعل سياسات التهجير والاستيطان.

لا تزال على جدران المسجد نقوش حجرية باهتة قرب الباب الحديدي الكبير، تحمل في أحدها عبارة لا إله إلا الله محمد رسول الله هذا مزار سيدنا عكاشة صاحب رسول الله، بينما يشير نقش آخر إلى أن المكان هو ضريح الصحابي عكاشة، وأنه جرى ترميمه سنة 1380 هجرية، في دلالة واضحة على عمق جذوره الإسلامية واستمرارية العناية به رغم محاولات الإهمال والطمس.

في يونيو عام 1987 نفذت بلدية القدس حفريات وأعمال بناء في محيط القبة القيمرية ومسجد عكاشة، لإنشاء خندق في الموقع، ما أدى إلى اختفاء معالم عدد من القبور الإسلامية التي كانت قائمة في المكان، في خطوة اعتبرها المقدسيون اعتداء مباشرا على حرمة الموتى وطمسا متعمدا للذاكرة الإسلامية.

الإغلاق والمنع

أغلق المسجد بعد احتلال غربي القدس عام 1948، ومنع فيه الأذان والصلاة لعقود طويلة امتدت حتى عام 2024، ويقع المسجد اليوم في شارع شتراوس داخل حي مئا شعاريم، ويجاوره منتزه، بينما امتلأ فناء المسجد بالنفايات، في مشهد يعكس سياسة الإهمال المتعمد ومحاولات طمس المكانة الدينية والتاريخية لهذا المعلم الإسلامي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى