المدرسة العمرية في القدس.. شاهد حجري على ثمانية قرون من التاريخ والصراع
المدرسة العمرية، وسط البلدة القديمة في القدس، وعلى امتداد طريق الآلام الذي يصل شارع الواد بباب الأسباط، تقف المدرسة العمرية على قطعة أرض ملاصقة للمسجد الأقصى من جهته الشمالية الغربية، قرب باب الغوانمة، هذا الموقع المميز جعلها هدفا دائما لسلطات الاحتلال التي تحاول تفريغها من طلابها المقدسيين والسيطرة على كل ما يجاورها من أبنية وأوقاف.
قصة المدرسة العمرية
ترجع جذور المدرسة إلى العهد المملوكي، إذ أنشئ مبناها عام 1312 ميلادي في الرواق الشمالي للمسجد الأقصى بالقرب من باب الغوانمة، أحد أبواب الأقصى المؤدية إلى المصلى القبلي وقبة الصخرة، ويحد المبنى من الجنوب المسجد الأقصى نفسه، ومن الشمال الطريق العام المعروف قديما بطريق المجاهدين أو السرايا والآلام حاليا، ومن الغرب الطريق المؤدي إلى بوابة الغوانمة، بينما تحده من الشرق حاكورة تابعة للمدرسة الملكية.
وفي أواخر العصر المملوكي استخدم المبنى دارا للنيابة، ثم تحول في بدايات العهد العثماني إلى مقر للحاكم وللجيش العثماني، وبعد ذلك احتضن أول مؤتمر للعالم الإسلامي عام 1930، ثم مؤتمر علماء فلسطين عام 1935، ليصبح بعده بثلاثة أعوام مقرا للمجاهدين ضد الاستعمار البريطاني.
وخلال عهد الانتداب البريطاني، تولى المجلس الإسلامي الأعلى أعمال الترميم للمبنى، بينما بقيت القاعات والأبنية السفلية محافظة على هيئتها المملوكية الأصلية، واستأجره الشيخ محمد الصالح من الأوقاف وحوله إلى مدرسة أسماها روضة المعارف، وبقيت كذلك حتى عام 1938، وبعد ذلك بعام، استولى عليه البريطانيون وحولوه إلى مركز للشرطة، ثم أصبح عام 1948 مقرا لجيش الإنقاذ العربي، وبعده مقرا لقائد القدس الأردني.
وفي العام نفسه كان الموقع مركزا لقيادة القوات الأردنية، ثم أعيد افتتاحه عام 1952 تحت اسم المدرسة العمرية، ويحتوي الموقع كذلك على مدفن الشيخ الصوفي درباس الكردي الهكاري، مما يزيد من قيمته الروحية والتاريخية.
ويمتد تاريخ المبنى لثمانية قرون، إذ يضم ثلاث مدارس مملوكية شهيرة، الأولى هي المدرسة المحدثية التي تأسست عام 1360 ميلادي وتقع عند قبو الغوانمة في الزاوية الشمالية لساحة المسجد الأقصى، وتضم طابقين في كل منهما خمس غرف، ويحتوي الطابق السفلي على مسجد صغير، والثانية هي المدرسة الجاولية التي بناها الأمير علم الدين سنجر الجاولي نائب غزة والقدس، وتقع عند الزاوية الشمالية الغربية للمسجد الأقصى، أما الثالثة فهي المدرسة الصبيبية التي أسسها الأمير علاء الدين ابن الصبيبي عام 800 هجري، وتشغل الجزء الشرقي من المدرسة العمرية الحالية وتمتد نحو المسجد الأقصى.
أما مساحة المدرسة العمرية فتبلغ نحو ثمانية دونمات، وهي عبارة عن مبنى مستطيل بطول خمسة وتسعين مترا وعرض خمسة وخمسين مترا، ويتكون من طابق أرضي يضم أبنية وقنوات مائية مرتفعة، وطابق أول يحتوي على أروقة واثنتين وثلاثين غرفة وساحتين، وطابق ثان يضم خمساً وعشرين غرفة وساحتين إضافيتين، إضافة إلى طابق ثالث يضم ثماني غرف وسطح المدرسة.
تكتسب المدرسة العمرية أهمية خاصة لما توفره من إطلالة مباشرة على المسجد الأقصى من جهته الشمالية، إضافة إلى موقعها في طريق المجاهدين قرب طريق الآلام، ومجاورتها لعدد من أبواب المسجد مثل الغوانمة والملك فيصل وحطة والأسباط.
وبعد احتلال القدس عام 1967، وضعت سلطات الاحتلال المدرسة بالكامل تحت إدارة بلدية الاحتلال ووزارة المعارف الإسرائيلية، وبدأت محاولات ممنهجة لطمس هويتها الإسلامية، ومن بين الإجراءات التي نفذتها سلطات الاحتلال خلع البلاطة التاريخية التي تحمل اسم شارع المجاهدين واستبدالها باسم قائد يهودي، وإزالة صورة صلاح الدين الأيوبي من مدخل المدرسة، إضافة إلى حرق باب الغوانمة عدة مرات واستخدام مبناها لقنص المتظاهرين والمصلين في المسجد الأقصى.
كما فتحت سلطات الاحتلال بوابة لنفق أسفل المدرسة تماما، وتحول المبنى إلى نقطة مركزية تربط النفق باتجاه كراج الأوقاف في باب الأسباط، بينما يروج الاحتلال لاعتقاد أن البركة الموجودة في باب الأسباط هي بركة إسرائيل التي يجب التطهر فيها قبل دخول الهيكل المزعوم.



