الإفطار الجماعي.. عادة بدوية رمضانية أصيلة تنبع من روح الكرم والتآخي
أسماء صبحي– مع قدوم شهر رمضان، تتخذ حياة القبائل البدوية في الصحراء أبعادًا اجتماعية وروحية مميزة تختلف عن نمط المدن الكبيرة. من بين تلك العادات الرمضانية التقليدية التي ما زال البدو متمسكين بها عادة الإفطار الجماعي تحت السماء المفتوحة. وهي ممارسة تنسجم مع طبيعة الحياة البدوية في الصحراء، حيث تلتقي الروح الدينية مع قيم الكرم والتواصل بين أفراد المجتمع في أجواء يتشاركون فيها النعيم والخير بعيدًا عن جدران المنازل والأسوار.
الإفطار الجماعي
قبل أذان المغرب بوقت كافي، يبدأ البدو بتجهيز الموائد في الهواء الطلق وغالبًا ما تكون هذه الموائد عبارة عن أطباق واسعة من الأرز واللحم والخيرات التي جلبتها العائلات من مساكنها في الواحات أو الأودية. ويتجمع الرجال والنساء والأطفال على بساطات مصفوفة فوق الرمال أو في دواوين القرى، ويبدأون انتظار نداء الإفطار معًا كعائلة واحدة كبيرة.
تتميز هذه اللمة الرمضانية ببساطة الطعام وروحه الجماعية، إذ غالبًا ما يشترك الجميع في القائمة التي يتناولونها. ويتمتعون بمشروبات مثل القهوة العربية أو الشاي عند الانتهاء من أول وجبة بعد الإفطار. كما يحرص البدو على إعداد أكلات خاصة بالشهر مثل الجريشة والفراشيح وغيرها من الأطباق التي تعكس ثقافتهم في الطعام والصوم.
لحظات من الود والقرابة
انتهاء الصيام لا يعني نهاية اللقاءات، بل يليه جلسات طويلة من الحوار والضحك والمشاركة في القصص والذكريات بين الجيران والأقارب. وتمتد هذه الجلسات لساعات بعد صلاة المغرب، فتتحول الأماكن المفتوحة التي احتضنت الإفطار إلى ساحات للحديث والتعارف والتقارب. حتى أن البعض يظل يتناول القهوة أو الشاي ويتبادلون أطراف الحديث مع الشيوخ والشباب في أجواء تجمع بين الروحانية والدفء الإنساني.
ووفق بعض المراقبين، فإن عادة الإفطار الجماعي في البادية ليست مجرد تقديم الطعام فحسب. بل هي رمز لتضامن اجتماعي عميق يسوده الانفتاح والتقاسم، حيث يتراءى للزائر أنه بين أفراد أسرة واحدة تتقاسم لحظات الإفطار في شهر الرحمة والمغفرة.
الكرم القبلي في شهر الرحمة
يرى كبار البدو أن شهر رمضان هو شهر إبراز الكرم والتعاون والتراحم. ولذلك تزداد الزيارات والجلسات مع الأهل والأصدقاء حتى بعد الإفطار، بينما يشارك الجميع في إعداد وتجهيز الموائد وتشجيع الصغار على حضور هذه اللحظات ليتمثلوا القيم والعادات التي تربوا عليها. وفي بعض المناطق، يستعد البدو قبل أيام من قدوم الشهر بتجهيز الطعام وتخزينه في أماكن مخصصة ليستفيد منه صائم يمر أثناء رحلاته أو استراحاته في الصحراء.
تبقى عادة الإفطار الجماعي تحت السماء المفتوحة عند البدو واحدة من أهم مظاهر التكافل الاجتماعية والروحية خلال شهر رمضان. حيث يجتمع فيها الوجدان الديني مع أصالة التقاليد البدوية، لتبقى أجمل صور تقاسم الخير والبشر في هذا الشهر المبارك.



