تاريخ ومزارات

كنز مدفون تحت رمال الصحراء يحكي قصة سفينة أوروبية ضائعة

في قلب صحراء ناميبيا القاحلة، حيث تمتد الرمال الجافة بلا نهاية، قاد الصدفة أحد أكثر الاكتشافات الأثرية البحرية إدهاشا في العصر الحديث، ففي منطقة سبرريغبييت النائية، وأثناء أعمال تعدين روتينية، عثر العمال على حطام سفينة برتغالية تعود إلى القرن السادس عشر، مطمورة بالكامل تحت الرمال، ومحملة بثروة هائلة من الذهب والعاج والنحاس، لتتحول الصحراء فجأة إلى شاهد صامت على عصر الاكتشافات البحرية الكبرى.

كنز مدفون تحت رمال الصحراء .. ما القصة

تحمل السفينة اسم بوم جيسوس، وهي واحدة من السفن البرتغالية التي أبحرت عام 1533 في طريقها إلى الهند، قبل أن تختفي دون أثر، لتظل قصتها لغزا لقرون طويلة، ولم يظهر هذا اللغز إلى العلن إلا في عام 2008، عندما كشفه التنقيب بالقرب من مدينة أوريانجموند داخل منطقة تعدين تخضع لحماية صارمة، ما ساهم في الحفاظ على الموقع بعيدا عن العبث والنهب.

يعد هذا الحطام من أفضل حطام السفن التاريخية حفظا على مستوى العالم، إذ لعبت الطبيعة القاسية في ناميبيا دور الحارس الأمي،  فالجفاف الشديد واستقرار الرواسب الرملية في الصحراء شكلا بيئة مثالية عزلت السفينة عن عوامل التآكل التي تدمر عادة الحطام الغارق في البحار، وحمت الأخشاب والبضائع من الزمن.

وأظهرت دراسة علمية نُشرت عام 2014 أن مناخ المنطقة وتغيرات الخط الساحلي عبر القرون خلقا ظروفا فريدة ساعدت على بقاء أجزاء السفينة سليمة، بما في ذلك الأخشاب الثقيلة، والشحنات المعدنية، وحتى بقايا الأقمشة، وهو ما منح العلماء فرصة نادرة لدراسة سفينة تجارية من عصر الاكتشاف بحالتها شبه الكاملة.

كشفت الحفريات أن السفينة كانت تحمل أكثر من ألفي قطعة نقدية ذهبية، إضافة إلى اثنين وعشرين طنا من سبائك النحاس، وعشرات الأنياب من عاج غرب إفريقيا، في صورة تعكس شبكة تجارية عالمية معقدة كانت تربط أوروبا بالسواحل الإفريقية ثم بالمحيط الهندي وآسيا، هذه الحمولة الضخمة توضح حجم الثروات والمخاطر التي ارتبطت بالرحلات البحرية في القرن السادس عشر.

ويرجح الباحثون أن عاصفة عنيفة قرب رأس الرجاء الصالح دفعت السفينة إلى الانحراف عن مسارها، قبل أن ترتطم بالساحل وتدفنها الرمال تدريجيا، لتختفي تماما عن الأنظار لعدة قرون، ومع مرور الزمن، تحولت الرمال من عدو إلى حليف، إذ حفظت الحطام كما لو كان داخل صندوق مغلق.

يصف الدكتور برونو ويرز، مدير المعهد الأفريقي للبحوث البحرية والغوص، هذا الاكتشاف بأنه أكثر من مجرد سفينة غارقة، مؤكدا أنه يمثل كبسولة زمنية اقتصادية من عصر الاكتشاف، تقدم دليلا ماديا واضحا على العولمة المبكرة من خلال نظام شحن متكامل يعكس حركة المال والبضائع عبر القارات.

وتشير العلامات المنقوشة على سبائك النحاس والعملات النادرة إلى دور ممولين ألمان وإسبان في دعم الرحلات البرتغالية نحو المحيط الهندي، ما يكشف عن شبكة تعاون مالي معقدة بين القوى الإيبيرية والأوروبية في القرن السادس عشر، بعيدا عن الصورة التقليدية للصراعات المنفردة.

ولم تشهد قضية ملكية السفينة أي نزاع قانوني، إذ تعود ملكية الحطام رسميا إلى ناميبيا وفقا لاتفاقية اليونسكو لعام 2001 الخاصة بحماية التراث الثقافي المغمور بالمياه، وقد أشاد المؤرخ ألكسندر مونتيرو بتعامل الحكومة الناميبية مع الاكتشاف، معتبرا إياه نموذجا يحتذى به في التعاون الدولي وإدارة التراث البحري بمسؤولية واحترام.

وعلى الرغم من أن السفينة كانت تقل نحو ثلاثمئة شخص بين بحارة ورجال دين وجنود، فإن علماء الآثار لم يعثروا سوى على عظم بشري واحد فقط، ما يفتح باب التساؤلات حول مصير الطاقم، وتشير الفرضيات إلى أن عددا من الناجين تمكن من الوصول إلى اليابسة، خاصة مع قرب الموقع من نهر أورانج، الذي قد وفر لهم مصدرا للمياه وفرصة للبقاء.

ويؤكد الدكتور ديتر نولي، كبير علماء الآثار في الموقع، أن موقع الحطام الجغرافي يدعم فرضية النجاة، ويمنح بعدا إنسانيا لقصة السفينة، التي لا تقتصر على الذهب والبضائع، بل تمتد إلى مصائر بشر واجهوا البحر والصحراء معا.

يعيد هذا الاكتشاف صياغة السرد التاريخي للاستكشاف البحري المبكر، إذ يثبت أن الإمبراطوريات الأوروبية عملت ضمن شبكات مترابطة من التمويل والمعرفة والبضائع قبل ظهور الاستعمار المؤسسي بصورته المعروفة، كما يؤكد أن أفريقيا لم تكن مجرد محطة عابرة، بل جزءا فاعلا في هذه المنظومة العالمية المبكرة.

وتخطط ناميبيا لإنشاء متحف بحري في أوريانجموند لعرض القطع المكتشفة، في خطوة تؤكد دورها كراوية نشطة لتاريخها البحري، لا كحارسة صامتة لتراث أوروبي مفقود، بل كشريك في سرد قصة عالم تشكل عبر البحار قبل قرون طويلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى