المضبي.. الطبق الذي جمع القبائل على مائدة النار والحجارة
أسماء صبحي – تتوارث القبائل العربية عبر الأجيال الكثير من العادات الغذائية التي أصبحت جزءًا من هويتها الثقافية. ومن بين هذه الموروثات يبرز طبق المضبي كأحد أشهر الأطباق التقليدية في الجزيرة العربية خاصة في اليمن وجنوب السعودية (عسير، جازان، نجران). والمضبي ليس مجرد أكلة شعبية، بل هو انعكاس لأسلوب حياة القبائل البدوية التي عاشت بين الجبال والسهول. وابتكرت طرقًا فريدة لإعداد الطعام من أبسط المكونات.
أصل المضبي وجذوره القبلية
ترجع تسمية المضبي إلى كلمة “الضبة” أي الحجارة التي تسخن بالنار حتى الاحمرار. والقبائل التي عاشت في المناطق الجبلية كانت تعاني من قلة أدوات الطهي المعدنية فاعتمدت على الطبيعة وسخرت الحجارة كوسيلة للطهي. ومع مرور الوقت أصبح المضبي جزءًا من التراث الغذائي عند قبائل همدان في اليمن وقبائل عسير وغامد في جنوب المملكة.
سر النكهة والطريقة الفريدة
المضبي يتميز عن غيره من الأطباق بطريقته الخاصة:
- يقطع اللحم الطازج (غالبًا لحم الضأن أو الجدي).
- تسخن حجارة ملساء حتى تصل لمرحلة التوهج.
- يوضع اللحم فوق الحجارة مباشرة مع القليل من الملح والتوابل البسيطة.
- يترك لينضج على مهل ليكتسب طعمًا مدخنًا عميقًا ونكهة لا يمكن تكرارها بالطرق الحديثة.
وهنا يكمن جمال المضبي فهو يجمع بين بساطة المكونات وعمق النكهة التي تمنحها النار والحجارة.
المضبي في حياة القبائل
لم يكن المضبي وجبة يومية عادية، بل ارتبط بالكرم والمناسبات الكبرى حيث يقدم في ولائم الزواج كدليل على السخاء. ويحضر عند استقبال الضيوف في المجالس القبلية كما يرتبط بالأعياد والمواسم حيث يجتمع أفراد القبيلة حول النار في أجواء احتفالية.
وكان إعداد المضبي نفسه طقسًا اجتماعيًا، يبدأ من جمع الحجارة المناسبة، مرورًا بذبح الذبائح، وحتى إشعال النار وتوزيع اللحم على الضيوف.
المضبي بين الماضي والحاضر
رغم التغيرات الكبيرة التي طرأت على أنماط الحياة في الجزيرة العربية ظل المضبي حاضرًا. واليوم أصبح يقدم في المطاعم الشعبية والتراثية في السعودية واليمن والإمارات. المهرجانات الثقافية مثل مهرجان الجنادرية في الرياض. والفعاليات السياحية التي تستعرض المطبخ الخليجي الأصيل.
وبفضل السياحة والاهتمام بالموروث، انتقل المضبي من مجرد وجبة قبلية إلى طبق له شهرة إقليمية وعالمية.
القيمة الثقافية والرمزية
المضبي ليس مجرد طعام، بل يحمل رمزية عميقة حيث يعكس قدرة القبائل على استغلال الطبيعة وتطويعها وتقديمه يعني الترحيب الحار بالضيف. كما يعد رمزًا لهوية القبائل الجنوبية التي تعرف من خلال هذا الطبق.



