تاريخ ومزاراتحوارات و تقارير

«حراس الجبل».. أسرار مقامات الأولياء في وديان أبو زنيمة بسيناء

أميرة جادو

قباب بيضاء صغيرة تظهر وسط الجبال الهادئة، لا تستخدم للسكن ولا تشبه المساجد المعروفة، لكنها تحمل معنى خاصًا لدى من يزورها، إنها مقامات أولياء تقع في عمق جبال أبو زنيمة بجنوب سيناء، يقصدها الناس بهدوء واحترام، تحيط بها الصخور والوديان، ويغلب على المكان سكون لافت، وكأن الجبل نفسه يحتفظ بقصص قديمة وأسرار منسية.

حكايات المقامات

كل مقام في هذه الجبال يحمل قصة، وكل ضريح تحيط به رواية يتناقلها الناس كما تتداول الوصايا، يقطع الزائرون المسافات سيرًا على الأقدام أو عبر سيارات الدفع الرباعي، لا طلبًا لمكسب دنيوي، بل بحثًا عن البركة، أو وفاءً بنذر، أو تخليدًا لذكرى رجل عرف بالصلاح.

مقام الشيخ حشاش

في وادي الصهو، وسط ممرات جبلية وعرة، يبرز مقام الشيخ حشاش، ضريح صغير تحيط به أشجار السيال، وتعلوه قباب بيضاء تطل من سفوح الجبال ذات اللون الطيني. هنا، حيث لا يسمع سوى همسات الرياح، يتم إقامته سنويًا ما يعرف بين القبائل بـ”زوارة الشيخ حشاش”، وهو مولد يعقد في شهر سبتمبر، يجتمع خلاله أبناء قبيلة الحماضة، ويستقبلون أهالي المنطقة وضيوفًا من مختلف أنحاء سيناء وخارجها.

كما يمتد المولد ليلتين من الذكر والدعاء، وتُقدَّم الذبائح بنية أن تكون «لقمة لوجه الله»، دون أي مظاهر احتفالية أخرى، كما يؤكد القائمون عليه.

وفي هذا الصدد، يقول سالم مسلم جمعة، من قبيلة الحماضة وأحد المتطوعين لخدمة المقام، إن الاعتقاد السائد أن الشيخ حشاش كان وليًا صالحًا عاش في سانت كاترين، وعند وفاته حملت الرياح كفنه حتى استقر في هذا الوادي حيث دفن، مضيفًا أن رجلين آخرين عرفا بالصلاح، هما الشيخ الهمشري وأبو حريرة من قبيلة الحماضة، دفنا بجواره، وشيدت لهما مقامات صغيرة.

كما أكد “جمعة”، أن الزيارة هنا لا تشبه الاحتفالات المعروفة، فلا موسيقى ولا طقوس خارجة، بل دعاء وذبح وطعام يوزع على الزائرين.

عرائش وخدمة ذاتية

وفي محيط المقام، شيد مسجد بسيط بجهود ذاتية، وبجواره عرائش تقليدية من الخوص والخشب، يقيم فيها الزائرون أثناء «الزوارة» أو خلال زياراتهم المتفرقة، ويوضح “جمعة”، أن لكل أسرة عريشة خاصة بها تحتوي على أدوات الطهي وأواني معدنية وفخارية تستخدم بحرية، إلى جانب عريشة رئيسية تُعرف باسم «مجلس حشاش»، وتعد القلب النابض للمكان.

مقام أبو زنيمة

وهو بعيدًا عن وادي الصهو، وفي قلب المدينة التي تحمل اسم أبو زنيمة، لا يدرك كثيرون أن اسم المدينة مشتق من مقام قديم لولي يعرف بالشيخ أبو زنيمة، ويؤكد صالح عيد، من قبيلة العليقات وأحد رواة التاريخ الشفهي، أن المقام كان موجودًا قبل نشأة المدينة، وحوله تشكلت أولى التجمعات السكانية، فحمل المكان اسمه، مضيفًا أن الأمر لا يقتصر على هذا المقام فقط، فكل وادي في المنطقة له مقام، ولكل مقام قصة متوارثة.

مقام الشيخ أبو خضرة

في وادي النصب، يقع مقام الشيخ سليمان أبو خضرة، ويقال إنه من قبيلة العليقات أيضًا، وعرف بالصلاح وكراماته، وكان مقصدًا لأهالي جنوب سيناء خاصة في أوقات الشدة، ولا تزال زيارته مستمرة حتى اليوم.

وفي قرية الرملة، يتداول الأهالي قصة موقع يعرف بـ”رملة القري”، وهو مكان لا يضم مقامًا فعليًا، لكنه يعد مقدسًا وفق رواية شعبية تقول إن لصوصًا حاولوا سرقة إبل كانت ترعى هناك، فتحولت الإبل إلى صخور، وعندما ضرب أحدهم صخرة بسيفه سال منها الدم، ومنذ ذلك الحين صار المكان مباركًا يزار ويدعى فيه.

الشيخ حبوس وحبوس الأخضر

وفي اتجاه نهاية منطقة الرملة، يقع مقام الشيخ حبوس، ويعتقد أنه من أبناء عشيرة الجريرات من قبيلة السواركة بشمال سيناء، ويشتهر بالصلاح، ويقول زائروه إنهم يقصدونه طلبًا للبركة.

كما يوجد مقام آخر يعرف بـ”حبوس الأخضر”، يرتبط في الموروث الشعبي بالاعتقاد بأن زيارته تطرد العين وتمنح راحة للنفس.

روح الجبل

وسط هذه المقامات، يتردد مثل سيناوي قديم: “تحنن القبور ولا تحنن الصدور”، في إشارة إلى أن زيارة قبر ولي صالح قد تكون سببًا في فرجًا ودعاء مستجاب، أفضل من سؤال الناس دون جدوى، وبين الجبال والوديان، وبين الأضرحة والعرائش، يبدو المشهد وكأن الأرواح لم تغادر المكان، وكأن الأولياء الصالحين ما زالوا يحرسون الجبل حتى بعد رحيلهم.

والجدير بالذكر أن مقاماتهم مفتوحة طوال العام، لا تحتاج الزيارة إلى موعد، وذكراهم حاضرة على الجدران، وفي قطع القماش البيضاء، وعلى ألواح الخشب التي كتبت عليها الآيات، وفي رائحة البخور التي تملأ الوديان مع كل نسمة هواء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى