قبيلة التياها في مصر.. بدو سيناء بين التاريخ والهوية المعاصرة
أسماء صبحي – في امتداد الصحراء العربية التي تربط بين شبه الجزيرة العربية وشمال إفريقيا. تنتشر جماعات بدوية تمتلك تراثًا تاريخيًا واجتماعيًا مميزًا، من بينها قبيلة التياها التي تعد من أقدم القبائل البدوية في شبه جزيرة سيناء المصرية. وهذه القبيلة، التي امتدت تاريخيًا إلى مناطق واسعة بين سيناء وبلاد الشام والجزيرة العربية. تحمل في سردها الثقافي روايات عن الهجرة والاندماج مع بيئة الصحراء، وتعد جزءًا مهمًا من النسيج البشري في مصر.
أصول قبيلة التياها
ترتبط القبيلة بتاريخ طويل من التنقل والانتشار في الصحراء، ويقال إن أصولها عربية بدوية تمتد إلى منطقة مكة والمدينة في شبه الجزيرة العربية. حيث هاجر أسلافها إلى شمال إفريقيا عبر طرق القوافل والتجارة بعد فترات من الحروب والفتوحات الإسلامية. وتشير الروايات الشفهية بين أفراد القبيلة إلى أن اسم “التياها” مرتبط بـ هضبة التيه أو المناطق الصحراوية الواسعة التي كانوا يسلكونها في تنقلاتهم وهو ما يجسد ارتباطهم العميق بالبيئة الصحراوية.
تعد القبيلة واحدة من أقدم القبائل البدوية في سيناء والنيڤ. وقد استقرت في شبه الجزيرة منذ فترة مبكرة امتدت منذ الفتح الإسلامي لمصر. مما منحها حضورًا طويلًا في هذه المنطقة التي كانت نقطة التقاء بين القوافل التجارية والمسالك الصحراوية.
الجغرافيا والحياة التقليدية
يتركز وجود التياها في شبه جزيرة سيناء، حيث كانت الحياة التقليدية تعتمد على التنقل الرعوي ورعاية المواشي والتجارة عبر الطرق الصحراوية. وفي الماضي، كانت القبيلة تتنقل بين مناطق الرعي بحثًا عن الماء والكلأ. وتشارك في تبادل السلع مع بقية القبائل البدوية التي تسكن في المناطق المحيطة.
بدلًا من أن تكون لهم معاقل ثابتة، اتسمت حياة التياها بالسير عبر هضاب وسهول سيناء الشاسعة، ما شكل جزءًا لا يتجزأ من هويتهم الثقافية والاجتماعية. وامتد هذا النمط حتى تدخل عوامل الحياة الحديثة، حيث شكّلت شبكة الطرق والتنمية الاقتصادية تغيرات في نمط الحياة. وأدى ذلك إلى تحول جزء كبير من أفراد القبيلة نحو الحياة المستقرة في القرى والمدن القريبة.
الاندماج والتحولات الاجتماعية
مع مرور الوقت، واجهت قبيلة التياها تحديات كبيرة في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية في مصر والمنطقة. فقد أدى دخول التعليم الحديث، وتوسع البنية التحتية، وصعود المدن السياحية في سيناء إلى تغير في نمط الحياة التقليدية للقبيلة. والشباب اليوم يميلون إلى الاندماج في الحياة الحضرية، والعمل في قطاعات مختلفة مثل الخدمات السياحية والضيافة والنقل. بينما يحاول كبار السن الحفاظ على القيم والعادات البدوية التقليدية مثل الكرم والشرف القبلي.
على الرغم من هذا التحول، تظل الهوية القبلية للتياها مصدر فخر للكثير من أبنائها، وتروى قصص النسب والأصل عبر الأجيال في الاجتماعات العائلية والاحتفالات الاجتماعية. وتتمحور هذه القصص حول الترابط العائلي والتاريخ الشفهي الذي يربطهم بأجدادهم وثقافتهم البدوية الأصيلة، رغم التحديات والمنافسة مع نمط الحياة الحضري الحديث.
وقال الدكتورة ليلى صافي، أستاذة الأنثروبولوجيا الاجتماعية بجامعة قناة السويس، إن قبيلة التياها تبرز جانبًا هامًا من التنوع القبلي في مصر، فهي ليست مجرد جماعة بدوية تسكن الصحراء. بل تمثل تاريخًا ممتدًا من التفاعل بين الإنسان والبيئة الصعبة في سيناء. والتحدي اليوم ليس فقط في الحفاظ على التراث، بل في إيجاد توازن بين التقاليد والاندماج في المجتمع الحديث.
وأضافت: “الهوية القبلية للتياها تظهر من خلال اللغة، الممارسات الاجتماعية، والروابط العائلية. وهي ليست مجرد جزء من الماضي بل عنصر حي في الحاضر المصري متعدد الثقافات”.



