الشيخ محمد بن عبد الله الترابي… قائد ديني واجتماعي في المغرب العربي
أسماء صبحي– يعد الشيخ محمد بن عبد الله الترابي أحد أبرز الشخصيات التاريخية في المغرب العربي خصوصًا في الجزائر والمغرب. نظرًا لدوره الكبير في توحيد القبائل العربية والأمازيغية في جنوب الجزائر. والمساهمة في نشر التعليم الديني والثقافة الإسلامية في الصحراء الكبرى.
ولد الترابي في واحة بشار جنوب الجزائر لعائلة عربية تنتمي إلى سلالة الهلالية. وتلقى تعليمه الأولي في القرآن والحديث على يد شيوخ المنطقة قبل أن يتنقل إلى قسنطينة وفاس لاستكمال دراساته الدينية والفكرية. حيث تأثر بالتيارات العلمية السائدة في شمال إفريقيا آنذاك.
دور الشيخ محمد بن عبد الله الترابي الديني والاجتماعي
عرف الشيخ الترابي بكونه مرجعًا دينيًا للأقاليم الصحراوية. إذ أسس عدة مدارس وجامعات صغيرة لتعليم القرآن والفقه، واعتبر وسيطًا مهمًا بين القبائل المتنازعة. وقد لعب دورًا كبيرًا في توحيد القبائل العربية في الصحراء الغربية للجزائر مما ساهم في خلق شبكة اجتماعية متماسكة ساعدت في مواجهة الغزوات الخارجية والتحديات الاقتصادية.
كما كان للترابي دور واضح في نشر الثقافة الإسلامية، إذ شجع على تعلم العلوم الشرعية واللغة العربية. ونشر تعليم القيم الاجتماعية مثل العدل والمساواة بين أفراد القبائل.
السياسة والتحالفات القبلية
على الرغم من أنه كان شخصية دينية، لم يقتصر تأثير الشيخ الترابي على الجانب الروحي فقط بل امتد إلى السياسة المحلية. فقد كان مستشارًا لقبائل كبيرة مثل أولاد نايل وأولاد سيدي الشيخ، وعمل على حل النزاعات القبلية من خلال التحكيم وإصدار الفتاوى الاجتماعية.
ويشير المؤرخون إلى أن الترابي كان حلقة وصل بين السلطة العثمانية في الجزائر والقبائل العربية المستقلة. حيث حافظ على استقلالية القبائل مع تعزيز التزامها بالقيم الإسلامية، ما جعله شخصية محورية في إدارة شؤون الصحراء والواحات الجنوبية.
إسهاماته العلمية والثقافية
أسس الشيخ الترابي عدة مدارس لتحفيظ القرآن وتعليم الفقه المالكي. وكان يحرص على كتابة الرسائل والنصوص الدينية لتعميم المعرفة بين القبائل. وقد حافظت هذه الرسائل على انتشار اللغة العربية الفصحى في مناطق بعيدة عن المدن الكبرى. كما ساهمت في توثيق التراث الشفوي القبلي الذي كان متداولًا بين البدو.
إلى جانب ذلك، رعى الترابي المناسبات الثقافية والدينية، مثل الاحتفال بالمولد النبوي، الذي كان يشهد تجمع القبائل، وإقامة حلقات للدرس والوعظ. مما عزز من شعور الانتماء والهوية الإسلامية بين القبائل.
ويقول الدكتور عبد القادر زواوي، الباحث في التاريخ الاجتماعي للجزائر، إن الشيخ محمد بن عبد الله الترابي يمثل نموذج القائد الديني الذي استطاع مزج القوة الروحية بالقوة الاجتماعية والسياسية. وشخصيته الفذة لم تكن فقط في التعليم الديني، بل في القدرة على توحيد القبائل، وتأسيس علاقات قوية بينها وبين السلطة، مع الحفاظ على ثقافة وهوية المجتمع الصحراوي.



