أبطال الرمال… بدو مطروح في ملحمة أكتوبر
كتبت شيماء طه
في صباح السادس من أكتوبر عام 1973، انطلقت موجة من الإرادة والتضحية، حيث اجتمع الجيش المصري وأبناء الشعب، جبهة واحدة، لاسترداد أرض وأداء عهد بالكرامة. وعلى الرمال الشاسعة لصحراء مطروح، وعلى امتداد الحدود الغربية لمصر، كان هناك رجال من البدو، من القبائل التي تربعت بين الدّبر والرّمال، لبّوا نداء الوطن وشاركوا بصمتهم وإيمانهم في معركة العزة والهوية. هذا التقرير يسلط الضوء على دورهم؛ ليس فقط كجنود متطوعين، بل كمجاهدين أصيلين، ربطوا بين تراب الصحراء وهويّة الوطن، وشاركوا في ملحمة أكتوبر من قلب مطروح، محتفظين بها في ذاكرة الأجيال.
خلفية تاريخية لمطروح ودور البدو
محافظة مطروح، بامتدادها الشاسع على ساحل البحر المتوسط وصحرائها الممتدة، كانت دائمًا بوابة مصر الغربية، ومَعلمًا من معالم التعدد والتنوع في الهوية المصرية. سكانها من البدويّين الذين ينهلون من تراث البداوة وعلاقات القبيلة والصحراء لم يكونوا محض مشاهد، بل صُنّاع حاضر ومتصدّون للتاريخ في لحظات المحنة.
كما يشير أحد الكتاب من مطروح: «معارك جهاد البدو سقطت – للأسف – من التاريخ الرسمي»، وهو قول يذكرنا بأن تضحياتهم كثيرًا ما تُغيب رغم أنها كانت واقعية وحاضرة. ومع حلول عام 1973، ومع تداعيات هزيمة عام 1967، دخلت مصر مناخًا جديدًا من الصراع: صراع استرداد، صراع تحرر، وصراع هوية. وفي هذا السياق، كان لبدو مطروح حضور يُحتفى به.
سياق حرب أكتوبر: الهدف والتحديات
حرب أكتوبر لم تكن مجرد اشتباك عسكري، بل كانت استجابة لإرادة وطنية عميقة، لاسترداد شبه جزيرة سيناء ومواجهة تعدّي استمر منذ نكسة 1967. وقد أظهرت الوثائق أنّ المصريين بقيادة جيشهم وشعبهم – نجحوا في تحطيم خط بارليف، واجتياز قناة السويس، وفرض معادلة جديدة على العدو.
في هذا السياق، لم يكن الدور العسكري التقليدي وحده كافياً، بل استدعى الأمر تضافر كل مكونات المجتمع ومن بينها البدو في الشمال الغربي – الذين ساهموا بحضورهم، واستعدادهم، وتضحياتهم.
مشاركة بدو مطروح: شهادات ودور ميداني
إلى جانب الجيش، شارك أبناء الصحراء الغربية في المعارك، أو في تمهيد المعركة، أو في الدعم اللوجيستي والاستخباراتي.
المجاهد صالح بدوي قال:
> «كنا نبحث عن طرق وسبل نستطيع بها أن نوصل المعلومات المرصودة عن العدو للمخابرات… إلى أن أُسِرنا جميعًا بعد أن اكتشفونا… ولم نعطِ اهتماماً لما تعرّضنا له، لأن هدفنا أولاً وأخيراً هو نصرة مصر».
في مطروح، نظمّت لجان التراث احتفالًا بعنوان «أكتوبر في ذاكرة البادية.. حكايات وأشعار»، تناول فيه الشعراء والبادية شهاداتهم وحكاياتهم عن مشاركة أبناء البادية في انتصارات أكتوبر.
هذه الشهادات تضعنا أمام حقيقة مفادها أنّ بدو مطروح من خلال تطوعهم أو نقلهم للمعلومات أو الدعم اللوجيستي أو المساندة المعنوية كانوا ضمن سلسلة الأشخاص الذين ضحّوا وبذلوا من أجل وطنهم، في جوّ من وطنية عميقة.
طبيعة التحدّي: من الصحراء إلى الجبهة
البدوي في مطروح يعيش واقعًا مختلفًا: الصحراء، الخيمة، الإبل، القبيلة، الترحال كل ذلك يُشكّل خلفية إنسانية واجتماعية مميزة. ومع دخول المعركة الوطنية، واجه هؤلاء البدو تحديات مزدوجة:
1. التكيّف مع مناخ الحرب والمشاركة في جبهة ليست من تربيتهم الأصلية.
2. التزامهم التقليدي تجاه القبيلة والتراث، وفي ذات الوقت، انخراطهم في مهمة وطنية أوسع.
لذا، كانت مشاركتهم رغم قلة توثيقها الرسمي عميقة ومؤثرة، جسدت روح التضحية والإخلاص للوطن.
لماذا بدو مطروح مهمّون؟
1. الموقع الاستراتيجي: مطروح بوابة حدودية وصحراوية، أهلها أكثر استعدادًا للمشاركة في الدفاع عن الوطن.
2. الرمزية الوطنية: البدوي يحمل حضارة وهوية مصرية أصيلة، تمثل جزءًا من النسيج الوطني.
3. المشاركة الشعبية: تعكس المعركة وحدة الوطن، من المدن إلى الصحارى، من الفرد إلى القبيلة.
أبرز محطات البطولات
قصص لخمس مقاتلين من أبناء البادية في انتصار أكتوبر، حسب تقرير «أبطال من مطروح في حرب العاشر من رمضان».
شهادات ولجان التراث تشير إلى ذاكرة شعبية تُخزّن الحكايات والأشعار عن مشاركة أكتوبر.
رغم النقص في التوثيق الرسمي، هناك أدلة على أن دور بدو مطروح كان حقيقيًا وعميقًا.
مساهمة البدو في معنويات النصر
تقديم نموذج للوطنية غير المقيدة بمكان أو قدرات مادية، بل بالإخلاص والاختيار.
مشاركة البدو التي قد لا تُرى دائمًا في الإعلام، تعطي رسالة: الوطن كلّه يتحرك، ليس فقط الجيش أو المدن.
التضحية سواء في جمع المعلومات، أو الدعم اللوجيستي، أو الانتظار خلف الخطوط تخلق صورة بأن الوطن مظلة يتداخل تحتها الجميع.
حين نذكر «بدو مطروح في حرب أكتوبر»، لا نذكر اسمًا عابرًا، بل نفخر بأن جزءًا من الوطن عاش التحدي وخاضه وضحّى من أجله.



