قبيلة البقارة في بلاد الشام: تاريخ عريق وحاضر مليء بالتحديات
أسماء صبحي – تمثل قبائل العرب في بلاد الشام مكونًا أساسيًا في البنية الاجتماعية والتاريخية للمنطقة، حيث لعبت دورًا مهمًا في تشكيل هوية المجتمع وفي الأحداث السياسية والعسكرية عبر القرون. ومن أبرز هذه القبائل قبيلة البقارة التي تمتد جذورها إلى الجزيرة العربية وتنتشر اليوم في سوريا والعراق ولبنان. وتجمع القبيلة بين إرث بدوي عريق وحياة زراعية وحضرية حديثة مما يجعلها نموذجًا فريدًا للتوازن بين الماضي والحاضر.
اصول قبيلة البقارة
تعد القبيلة من أكبر القبائل العربية التي استقرت في الشام بعد الفتح الإسلامي. واختلفت الروايات حول أصل تسميتها، حيث يرى البعض أن الاسم مرتبط بممارسة رعي الأبقار، بينما يربطها آخرون بالإمام محمد الباقر. وعلى مر القرون أثبتت القبيلة حضورها في بادية الشام وعلى ضفاف نهر الفرات حيث أسست تجمعات سكانية وقروية مهمة.
في العهد العثماني، كان لأبناء القبيلة دور في حماية طرق التجارة وتأمين المناطق الزراعية والرعوية. ومع دخول الاستعمار الفرنسي إلى سوريا شارك بعض فرسانها في المقاومة. وأصبحوا جزءًا من الحراك الوطني في تلك الفترة. وجعلت هذه المسيرة التاريخية القبيلة تتمتع بمكانة اجتماعية معتبرة لدى باقي القبائل والمجتمعات المجاورة.
البنية الاجتماعية والتنظيم
تتألف القبيلة من عدة عشائر متفرعة، ولكل عشيرة شيوخها ووجهاؤها الذين يمثلونها أمام السلطات المحلية أو في النزاعات الداخلية. ويقوم النظام القبلي على قيم التضامن والتكافل. حيث يتم فض النزاعات عبر مجالس عرفية تعتمد على العادات والتقاليد، بدلًا من اللجوء إلى المحاكم الرسمية.
يتميز المجتمع البقاري بالتماسك، ويعتبر “المجلس القبلي” المؤسسة الأبرز التي تدير شؤونهم. ورغم دخول التعليم والتمدن إلى حياة الكثير من أبنائهم. وما زالت هذه المجالس تحتفظ بدور فاعل في فضّ الخلافات وتعزيز الانسجام الاجتماعي.
نمط المعيشة والتحولات الاقتصادية
تاريخيًا، اعتمدت قبيلة البقّارة على الرعي والزراعة. فقد استفادوا من قربهم من نهر الفرات. حيث مارسوا الزراعة خصوصًا القمح والشعير، إلى جانب تربية الأغنام والإبل. وفي المناطق البعيدة عن النهر ظل الرعي هو النشاط الاقتصادي الأساسي.
مع التغيرات الحديثة، انتقل العديد من أبناء القبيلة إلى المدن، حيث انخرطوا في مجالات التجارة والتعليم والوظائف الحكومية. ومع ذلك، لا يزال جزء كبير من القبيلة يحافظ على صلات قوية بالأرض والزراعة.
لكن القبيلة واجهت تحديات كبيرة بسبب موجات الجفاف وتقلص الأراضي الصالحة للزراعة. مما دفع كثيرًا من الأسر إلى البحث عن مصادر دخل بديلة وأدى إلى هجرة واسعة النطاق من الريف إلى المدن.
التوزع الجغرافي
يتركز وجود القبيلة بشكل رئيسي في سوريا، وخاصة في ريف دير الزور الغربي الممتد على ضفاف الفرات. كما توجد تجمعات لهم في محافظتي الرقة والحسكة إضافة إلى حضور أقل في مناطق حلب. وخارج سوريا، تنتشر مجموعات منهم في العراق خصوصًا في الموصل والأنبار. وكذلك في شمال لبنان حيث اندمجوا في المجتمع المحلي مع احتفاظهم بجذورهم القبلية.
الدور الاجتماعي والسياسي
على مر السنين، لم يكن دور البقارة مقتصرًا على الجانب الاجتماعي فقط بل امتد إلى السياسة والعلاقات مع السلطات الحاكمة. فقد اعتادت الحكومات المختلفة على التواصل مع شيوخ القبيلة لكسب دعمهم وضمان استقرار المناطق الريفية.
وخلال الحرب السورية، واجهت القبيلة تحديات كبيرة. فقد انقسمت ولاءات بعض أبنائها بين أطراف مختلفة وهو ما أثر على وحدة القبيلة الداخلية. وفي الوقت نفسه، لعب بعض شيوخها أدوارًا في الوساطات المحلية لحل النزاعات أو حماية المدنيين.
يقول الدكتور سامر العلي، أستاذ الأنثروبولوجيا الاجتماعية بجامعة دمشق، إن قبيلة البقارة تمثل نموذجًا مهمًا لفهم دور القبائل العربية في المجتمعات الحديثة. فهي تجمع بين الانتماء القبلي التقليدي وبين السعي لمواكبة التطورات الاقتصادية والسياسية. ويعتمد مستقبل القبيلة على قدرتها على التكيف مع هذه المتغيرات، وعلى مدى إشراكها في مشاريع التنمية وإعادة الإعمار.



