الضابط في الصندوق.. قصة مورهاوس التي هزت عرش بريطانيا

في خريف عام 1956، اجتاحت رياح الحرب أرض مصر، حين دخلت قوات الاحتلال الصهيوني إلى سيناء، تبعتها جحافل القوات البريطانية والفرنسية على ضفاف قناة السويس وسط هذا الزحف، وقفت بورسعيد شامخة تتحدى العدوان بقوة أبنائها، حيث تحولت شوارع المدينة وأزقتها إلى ميدان للمقاومة، فواجهت الخلايا الشعبية هذا الاحتلال بكل ما تملك من شجاعة.
قصة مورهاوس التي هزت عرش بريطانيا
رد العدو بعنف شديد، فقام بقصف الأحياء السكنية، ونهب البيوت، وهاجم دور العبادة ليكسر إرادة السكان، كما اعتقل العشرات من شباب المدينة في محاولة يائسة لإخماد روح المقاومة المتصاعدة.
وسط هذا الوضع المشتعل، قررت مجموعة من الشباب تغيير قواعد المواجهة، خططوا للقبض على ضابط بريطاني حتى يتمكنوا من مبادلته مع المعتقلين، كما قاد هذا المخطط الشاب محمد حمد الله، الذي غادر حلمه في المدرسة البحرية، وعاد إلى مدينته بعد أن ناداه الواجب الوطني، وانضم إليه كل من حسين عثمان، طاهر مسعد، أحمد هلال، أحمد سليمان، وعلي زنجير، ليشكلوا خلية مقاومة لا تعرف التردد.
في ليلة الحادي عشر من ديسمبر، تجولت المجموعة بسيارة داخل المدينة، يراقبون الشوارع بتركيز، حتى صادفوا الضابط البريطاني أنطوني مورهاوس يلاحق صبياً مصرياً، كان مورهاوس شخصية معروفة لديهم، فقد شارك قبل يوم في حملة اعتقالات شرسة، ارتدى الشباب زي رجال أمن، وتقدموا نحوه مدعين أنهم سيتسلمون الصبي، ثم سيطروا على الضابط في لحظة خاطفة، وانتزعوا سلاحه ووضعوه في صندوق السيارة الخلفي، بينما وجه له علي زنجير لكمة أفقدته وعيه.
قاد زنجير السيارة وسط دهشة الناس، وتم إخفاء مورهاوس في صندوق خشبي داخل أحد المنازل في شارع أحمد عرابي، الذي أصبح رمزاً للمقاومة الشعبية وفي المقابل، شنت القوات البريطانية حملة تفتيش غير مسبوقة، أمر بها الجنرال ستوكويل، فاستجوبوا كل شاب تجاوز الخامسة عشرة، كما فرضوا حظر تجوال صارم جعل تحركات المقاومين صعبة.
بسبب تلك الإجراءات المشددة، تعذر وصول المجموعة إلى مكان احتجاز الضابط لأربعة أيام متتالية، لتقع مأساة لم يتوقعها أحد، حيث توفي مورهاوس مختنقاً داخل الصندوق دون أن يتمكن أحد من إنقاذه.
ظل مصير مورهاوس مجهولاً للجيش البريطاني، ولم تتضح الحقيقة إلا بعد الانسحاب من بورسعيد في الثالث والعشرين من ديسمبر وفي يناير من العام التالي، أرسلت مصر تقريراً رسمياً إلى الأمم المتحدة تؤكد فيه وفاته، وتم تسليم جثمانه عبر وسيط دولي، أدت هذه الحادثة إلى حالة من الغليان السياسي في بريطانيا، واشتد الضغط على حكومة أنطوني إيدن، ما أسهم في سقوطها.
في الجهة المقابلة، استقبلت بورسعيد أبطالها بفخر، وامتلأت الشوارع بأغاني السمسمية التي تمجد بطولاتهم، وكرمهم الرئيس جمال عبد الناصر، الذي اعتاد زيارة المدينة في عيد النصر كل عام، ليحيي ذكرى من صنعوا ملحمة لا تزال حاضرة في ذاكرة الوطن.



