تاريخ ومزارات

في ذكرى اكتشافه.. سر مركب خوفو الأولى الذي تحدى الزمن بدون مسمار واحد

يصادف اليوم ذكرى لحظة فارقة في سجل مصر الأثري، حين أعلن المهندس كمال الملاخ، في مايو عام 1954، عن كشف أثري مذهل صنف لاحقًا ضمن أعظم اكتشافات القرن العشرين: “مركب خوفو الأولى”، والتي أصبحت تعرف باسم “مركب الشمس”.

المركب المدفون إلى جوار الهرم الأكبر

كان المركب مدفونًا في أعماق الأرض، إلى جوار الهرم الأكبر، حيث عثر على حفرتين مخصصتين لمراكب الملك خوفو، تقعان في الجهة الجنوبية من الهرم، إحداهما احتوت على مركب خشبي ضخم يعود تاريخه لأكثر من خمسة آلاف عام، وقد تعاون المهندس كمال الملاخ مع المرمم البارع أحمد يوسف لاستخراج المركب الأولى، ثم توليا مهمة ترميمها وتجميع أجزائها بدقة، لتعود للحياة من جديد، وتعرض لاحقًا في المتحف الذي أنشئ خصيصًا لها وافتتح في عام 1982.

قصة الاكتشاف مركب خوفو الأول

وخلال عمليات تنظيف في الجهة الجنوبية للهرم الأكبر، لاحظ المهندس الملاخ وجود كتل حجرية ضخمة من الحجر الجيري تغطي فتحتين في الأرض، وبعد إزالة هذه الكتل والكشف عن الموقع، تبين أن الفتحتين تؤديان إلى حفرتين لدفن مراكب جنائزية صنعت خصيصًا للملك خوفو، لترافقه في رحلته إلى العالم الآخر، وفقًا للعقيدة المصرية القديمة.

ويقع الموقع الذي اكتشف فيه المركب تحديدًا إلى الجنوب الشرقي من قاعدة الهرم الأكبر، ويعد امتدادًا للمجمع الجنائزي الخاص بالملك، كما كشفت الأبحاث لاحقًا عن وجود ثلاث حفر إضافية منحوتة في الصخر، تتخذ شكل مراكب وتقع إلى الشرق من الهرم.

تفاصيل دقيقة لمركب تاريخي

وفي هذا الإطار، أوضح الدكتور حسين عبد البصير، مدير متحف آثار مكتبة الإسكندرية، أن المركب المكتشف وجد مفككًا إلى حوالي 1224 قطعة من خشب الأرز المستورد من لبنان، وقد رتبت هذه القطع في 13 طبقة داخل الحفرة، التي يبلغ طولها 31.2 مترًا، وعرضها 2.6 مترًا، وعمقها 3.5 مترًا، كما عثر إلى جانبها على حبال، وحصر، ومجاذيف تخص المركب.

وقد تَولى عملية الترميم المرمم القدير أحمد يوسف، الذي أعاد تركيب المركب بدقة عالية، لتعود إلى هيئتها الأصلية كما كانت في زمن الفراعنة، ويبلغ طول المركب بعد إعادة التجميع 43.4 مترًا، وعرضه الأقصى 5.9 مترًا، بينما بلغ ارتفاع مقدمته البردية الشكل 6 أمتار، والمؤخرة 7 أمتار، وتضمن عشرة مجاذيف ضخمة، ومقصورتين إحداهما للربان، إضافة إلى دفتين كبيرتين من المجاذيف الطويلة.

عبقرية البناء دون مسمار

المدهش في بناء المركب أنه صنع دون استخدام أي مسمار معدني، حيث استخدم المصريون القدماء تقنية “العاشق والمعشوق” لتثبيت الألواح الخشبية، واعتمدوا على الحبال لربط الأجزاء ببعضها بإحكام مدهش يدل على براعتهم الفريدة.

لا يعتبر هذا الكشف مجرد استعادة لقطعة أثرية نادرة، بل هو استرجاع لصورة كاملة من عبقرية المصريين القدماء في مجال صناعة السفن وفنون الملاحة، وكذلك إشارة قوية إلى تصوراتهم المدهشة عن الحياة الآخرة، ومركب الشمس يظل رمزًا خالدًا لحضارة تتحدث بلغتها الخاصة من قلب التاريخ، وتروي للعالم قصة شعب آمن بالخلود وترك ما يشهد عليه إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى