عكرمة بن أبي جهل: من ابن فرعون الأمة إلى بطل اليرموك
في أرض الطائف، حيث نزل رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، كان يواجه أهلها بالرفض والصد، على الرغم من دعوته لهم إلى نور الإسلام، في تلك اللحظات العصيبة، التي انعدمت فيها النصرة، نزل جبريل عليه السلام ليحمل رسالة من ملك الجبال قائلاً: “إن شئتَ يا محمد أن أطبق عليهم الأخشبين!” ولكن قلب النبي الرحيم المليء بالرجاء قال: “بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا.” كان هذا الدعاء النبوي يتوجه إلى شخص عظيم، هو عكرمة بن أبي جهل، الذي تحول من عداء شديد للإسلام إلى بطل فدائي في معركة اليرموك.
فرار عكرمة
عقب فتح مكة على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعلن النبي عفوًا عامًا عن قريش، إلا أن هناك بعض الأفراد الذين استثناهم، ومن بينهم عكرمة بن أبي جهل. شعر عكرمة بالخوف الشديد وظن أن الموت سيلاحقه، ففر هاربًا إلى سواحل تهامة على متن سفينة. لكنه كان مقدرًا له أن يواجه مصيرًا آخر في وسط البحر، تعرضت السفينة لعاصفة قوية، وكان الملاح يصرخ: “أخلص!” وسأل عكرمة عن ما يجب أن يقوله في تلك اللحظة. فأجاب الملاح: “قل لا إله إلا الله.” ضحك عكرمة في البداية ساخرًا وقال: “ما هربت إلا من هذا!” لكن، وسط رهبة البحر، شعر عكرمة بأن الخوف قد أيقظ في قلبه تساؤلاً عميقًا: إذا كان الله هو من ينقذه في البحر، أليس هو المنجي في البر؟ فنذر نذرًا لله: “اللهم إن عافيتني مما أنا فيه، لآتين محمدًا حتى أضع يدي في يده.”
هدأت الرياح ومرت العاصفة، وعندما وصل عكرمة إلى الشاطئ، كانت زوجته أم حكيم في انتظاره، لتبشره بأن رسول الله قد أمنه. عاد عكرمة إلى مكة، حيث استقبله النبي قائلاً: “مرحبًا بالراكب المهاجر!” وعندما سأل عكرمة عن أمانه، أجاب النبي صلى الله عليه وسلم: “نعم، أنت آمن.” وهكذا أسلم عكرمة بين يدي النبي، وكان هذا التحول بداية جديدة له، من مقاتل ضد الإسلام إلى قائد عظيم في حروب الردة وفتوح الشام.
يوم اليرموك: كتيبة الموت
في معركة اليرموك الشهيرة، اجتمع ثلاثون ألف مسلم لملاقاة جيش الروم الذي كان يتجاوز ربع مليون مقاتل. قبل بداية المعركة، تقدم فارس روماني يطلب المبارزة، فبرز له شاب مسلم مغمور من جند المسلمين، طلب الفتى من أبي عبيدة بن الجراح أن يسمح له بالخروج، فقال له: “يا أبا عبيدة، أنا عازم على الشهادة، فهل توصيني بشيء أبلغه لرسول الله؟” أجاب أبو عبيدة، والدموع تملأ عينيه: “أقرئ رسول الله مني ومن المسلمين السلام، وقل له: جزاك الله عنا خيرًا، ولقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا.”
انطلق الفتى وبارز فرسان الروم واحدًا تلو الآخر حتى استشهد. لقد رفع هذا الفعل معنويات المسلمين بشكل كبير، وحين اشتد القتال واحتشد الروم حول المسلمين من كل جانب، ظهرت شخصية عكرمة بن أبي جهل. وقف عكرمة وهو ينادي بصوت مدوٍ: “من يبايع على الموت؟” فاستجاب له أربعمائة من أبطال المسلمين، الذين عرفوا باسم “كتيبة الموت”. حاول خالد بن الوليد منعه من هذه المهمة، لكن عكرمة رفض قائلاً: “دعني يا خالد! لك مع رسول الله سابقة، أما أنا وأبي فقد كنا من أشد الناس عليه. دعني أكفر عما سلف. قاتلت رسول الله في مواطن كثيرة، أأفر اليوم من الروم؟ هذا لن يكون أبدًا!”
قاد عكرمة وكتيبته الشجاعة نحو قلب جيش الروم، وكانت معركة غير متكافئة حيث يضربون يمينًا ويسارًا، يفتحون ثغرة في حصار العدو، حيث سقط فرس عكرمة من كثرة الجراح، ولكنه نزل عنه وواصل القتال بكل شجاعة، وكانت هذه الثغرة بداية لانتصار المسلمين في معركة اليرموك، التي غيرت مجرى تاريخ الشام ومصر ومن ثم العالم.



