الفراسة عند القبائل.. عادة متجذرة في التاريخ العربي
أسماء صبحي – من بين العادات العريقة التي تميّزت بها القبائل العربية والبدوية تبرز “الفراسة” كإحدى أهم المهارات التي جمعت بين العلم والفطرة وبين التجربة والحدس. فلم تكن مجرد هواية أو عادة سطحية بل مثلت أداة أساسية في حياة الصحراء حيث كانت القبائل تعتمد عليها لفهم الآخر، كشف نواياه، والتعامل معه بحذر أو ثقة. وهذا التقليد الذي ورثته الأجيال جيلاً بعد جيل ما زال حاضرًا حتى اليوم، وإن كان في سياق مختلف وأكثر حداثة.
أصل الفراسة وجذورها
هي عادة ضاربة في عمق الثقافة العربية، لها جذور في التراث الجاهلي والإسلامي على حد سواء. فقد ورد ذكرها في الكثير من كتب التراث مثل كتاب “الفراسة” لابن القيم الذي تناول هذا العلم وشرح دلالاته النفسية والجسدية.
وارتبطت هذه العادة بالبيئة الصحراوية القاسية التي جعلت الإنسان بحاجة دائمة إلى فهم من حوله بسرعة. فالخطأ في تقدير شخصية الآخر قد يكلف حياته أو حياة جماعته.
علم وتجربة
لم تكن هذه العادة مجرد حدس، بل اعتمدت على ملاحظة دقيقة للملامح والتصرفات. فكان البدوي ينظر إلى عيون الغريب، طريقة مشيته، نبرة صوته، بل وحتى طريقة جلوسه ليحدد إن كان ضيفًا صادق النية أم عدوًا متخفيًا. وقد امتدت هذه المهارة إلى قراءة ملامح الحيوانات أيضًا فالرعاة كانوا يستدلون من عيون الإبل أو حركتها على حالتها الصحية ونواياها.
كما كان لها دور اجتماعي محوري، فعند استقبال ضيف جديد، كان شيخ القبيلة أو كبارها يستعملون الفراسة لتقييم نواياه. كما كانت وسيلة لاختيار الرجال المناسبين للزواج من بنات القبيلة أو لتولي المناصب القبلية الحساسة. وبمعنى آخر، الفراسة لم تكن مجرد عادة، بل أداة لحماية النسيج الاجتماعي وضمان أمن الجماعة.
الفراسة في الحروب والغزوات
في حياة البدو التي كانت مليئة بالتنافس والصراع، لعبت الفراسة دورًا لا يُستهان به. فقد ساعدت في كشف جواسيس الأعداء أو تقدير خطورة وفد غريب. كما كانت وسيلة لتوقع هجمات محتملةحيث يستطيع القائد الفطن أن يقرأ في عيون رسل الخصوم إشارات تدل على نوايا عدائية.
وارتبطت أيضًا بالإيمان الديني إذ ورد في الحديث النبوي الشريف: “اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله” (رواه الترمذي). ومنح هذا النص الفراسة بُعدًا روحانيًا جعلها تعتبر مزيجًا بين الإلهام الإلهي والخبرة الإنسانية. ومن هنا أصبحت جزءًا من منظومة الأخلاق والقيم الإسلامية.
استمرارها في العصر الحديث
على الرغم من تطور الحياة الحديثة لم تختف الفراسة تمامًا. ففي المجتمعات البدوية وبعض القرى العربية، لا يزال هناك تقدير كبير لأصحاب “النظرة الثاقبة” القادرين على تحليل الشخصيات بسرعة. كما أن كثيرًا من العلوم الحديثة مثل علم النفس ولغة الجسد تستند بشكل أو بآخر إلى نفس مبادئ الفراسة القديمة لكن بطرق علمية ومنهجية.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور محمود خليل الباحث في الأنثروبولوجيا الثقافية، إن الفراسة ليست خرافة كما يظن البعض. بل هي نتاج تراكم خبرات طويلة لمجتمعات عاشت في بيئة تتطلب الحذر الدائم. إنها أشبه بما نسميه اليوم بالذكاء الاجتماعي، ولكنها في سياق القبائل كانت مسألة حياة أو موت.



