حديقة السلاطين المحشوة بالتاريخ.. حكاية اتفاق روسي أوكراني داخل قصر دولمة بهجة
شهد قصر دولمة بهجة في إسطنبول عام 2022 حدثا سياسيا بارزا، حيث احتضن أول اتفاق يجمع روسيا وأوكرانيا منذ نحو خمسة أشهر من اندلاع الحرب بينهما، وذلك بشأن آلية تصدير الحبوب عبر البحر الأسود إلى دول العالم، وحضر مراسم التوقيع كل من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في مشهد يعكس أهمية هذا القصر ودوره التاريخي والسياسي الممتد منذ أيام الدولة العثمانية وحتى تأسيس الجمهورية التركية.
قصة قصر دولمة بهجة
القصر المعروف باسم قصر السلاطين كان خلال الأشهر الماضية مسرحا لمحادثات شاقة بين موسكو وكييف بهدف الوصول إلى تسوية تنهي الحرب التي اندلعت في الرابع والعشرين من فبراير الماضي وما زالت مستمرة حتى اليوم، مخلفة آلاف القتلى والجرحى، وبينما لم تنجح وساطة أنقرة بعد في تحقيق التسوية السياسية، نجحت اليوم في جمع الطرفين بشكل منفصل لتوقيع اتفاق استئناف تصدير الحبوب، وهو الاتفاق الذي انتظره العالم بشغف نظرا لتداعيات الحصار الروسي للموانئ الأوكرانية على الأمن الغذائي العالمي.
أوكرانيا، التي تعد من أكبر مصدري الحبوب في العالم، تتهم روسيا بمنع خروج سفنها من موانئ البحر الأسود، في حين أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن نحو 22 مليون طن من الحبوب ما زالت عالقة، مع توقعات بحصاد 60 مليون طن إضافية في الخريف، هذا الوضع أثار مخاوف واسعة من مجاعة تهدد عددا من الدول، خاصة في القارة الأفريقية التي تعتمد بشكل رئيسي على القمح الأوكراني والروسي.
أما قصر دولمة بهجة، فهو أكثر من مجرد موقع توقيع اتفاق سياسي، إذ يحمل اسما مركبا يعني الحديقة المحشوة، في إشارة إلى الطريقة التي بني بها عبر ردم جزء من ميناء منطقة بشكتاش بالتراب والحصى ليقوم على مساحته القصر، شيّد القصر خلال عهد السلطان عبد المجيد الأول عام 1834 واستغرق بناؤه ثلاثة عشر عاما، فيما تشير المصادر إلى استخدام ما بين 14 و35 طنا من الذهب إضافة إلى 60 طنا من الفضة في عملية البناء.
ويضم القصر إرثا عثمانيا ضخما، إذ أقام فيه آخر ستة سلاطين عثمانيين وتزين جدرانه صورهم إلى اليوم، ويتألف القصر من 285 غرفة و43 صالونا وعدد مماثل من الحمامات، بالإضافة إلى ستة حمامات تركية فاخرة موزعة على أقسام الاستقبال والمعايدة والحريم، وتعد صالة توقيع السلطان عبد الحميد إحدى أبرز القاعات التي تجذب الأنظار، إضافة إلى الغرف الرخامية المطلة على البحر والمكتبة التي تحتفظ بدفتر شيكات السلطان عبد الحميد.
وتنتشر في أروقة القصر اللوحات التي توثق غزوات العثمانيين في البوسنة وبغداد وحصار فيينا، إلى جانب الهدايا الأوروبية والسيوف والخواتم والنياشين وحتى غليون السلاطين، كما يضم القصر غرفة مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك وسريره الذي توفي عليه والمغطى بالعلم التركي.
وفي العصر الحديث ما زال القصر يستخدم لاستقبال الزعماء والوفود الرسمية، حيث يعتمد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مكتبا رئاسيا فيه خلال وجوده في إسطنبول، مما يضيف للقصر بعدا سياسيا معاصرا إلى جانب قيمته التاريخية.



