مرأه بدوية

الزيوت العطرية عند المصريين القدماء سر الجمال والقداسةالزيوت

 

كتبت شيماء طه

حين نعود إلى الحضارة المصرية القديمة نجد أن الزيوت العطرية لم تكن مجرد وسيلة للتزيين أو التعطر، بل كانت جزءاً من فلسفة متكاملة تجمع بين الصحة والجمال والدين فالمصري القديم أدرك مبكراً أن الطبيعة تحمل بين زهورها وأشجارها أسرار الشفاء والراحة النفسية، فحوّل الزيوت العطرية إلى أداة للحياة اليومية وطقوس الخلود.

فن صناعة العطور والزيوت

برع المصريون القدماء في استخلاص الزيوت العطرية من أزهار مثل اللوتس والورد والياسمين، ومن نباتات مثل المرّ والبخور ، وكانت عملية الاستخلاص تتم عبر الغلي أو النقع في الزيت، وهو أسلوب بدائي لكنه أثبت كفاءة مذهلة، وقد ارتبطت هذه الصناعة بالمكانة الاجتماعية؛ فالمعابد والقصور كانت الأكثر استخداماً للزيوت الثمينة، بينما اعتمد عامة الشعب على زيوت أبسط.

 

الزيوت الطبية : العلاج من قلب الطبيعة

لم تُستخدم الزيوت العطرية للتجميل فقط، بل لعبت دوراً أساسياً في الطب الفرعوني ، فزيت الخروع استُخدم كملين طبيعي، وزيت المرّ كمطهر للجروح، بينما استُعمل زيت الكتان لتسكين الالتهابات ، وقد وثقت بردية إيبرس وصفات علاجية عديدة اعتمدت على هذه الزيوت، ما يكشف عن وعي مبكر بقوة الطبيعة في الشفاء.

العطور في الطقوس الدينية

كان للزيوت العطرية دور روحي واضح في مصر القديمة ،فقد استخدمت في القرابين المقدسة داخل المعابد، حيث كان الكهنة يحرقون الزيوت كوسيلة للتطهر والتقرب من الآلهة، كما لعبت العطور دوراً مهماً في طقوس التحنيط، إذ اعتقد المصريون أن الجسد المعطر يظل نقياً ليرافق الروح في رحلتها الأبدية.

الجمال والعناية الشخصية

لم يكن غريباً أن تهتم الملكات مثل كليوباترا وحتشبسوت بالزيوت العطرية، حيث استُخدمت لترطيب البشرة، تعطير الشعر، ومنح الجسد إشراقة دائمة ،زيت اللوز وزيت السمسم كانا الأكثر شيوعاً في وصفات التجميل، أما الزيوت العطرية المستخلصة من الزهور فقد منحت النساء لمسة فاخرة ميّزتهن بين شعوب العالم القديم.

الزيوت كرمز للخلود

اللافت أن الزيوت العطرية لم تُحصر في الدنيا، بل رافقت المصري القديم إلى مقبرته، فقد عُثر في مقابر الملوك والنبلاء على أوانٍ فاخرة مليئة بالزيوت، اعتقاداً منهم أن الجمال والقداسة سيظلان ملازمين للإنسان حتى في العالم الآخر.

ما يدهش أن بعض الزيوت التي استخدمها المصريون القدماء لا تزال حاضرة في حياتنا اليومية، من زيت الخروع إلى زيت المرّ واللوتس، كلها عناصر تؤكد أن خبرة الفراعنة لم تكن مجرد تجربة عابرة، بل أساساً لعلوم التجميل والطب الطبيعي الحديثة.

الزيوت العطرية عند المصريين القدماء كانت أكثر من مجرد عطر؛ كانت لغة حضارية توحد بين الجسد والروح، بين الصحة والجمال، بين الإنسان والخلود، وهي رسالة لا تزال تصلنا حتى اليوم، أن الطبيعة هي أرقى صيدلية وأجمل عطر للحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى