المزيدفنون و ادب
أخر الأخبار

بورتريه: هناء عطية بين الأدب والسينما

رحلة عطاء بين الريف والمدينة

بورتريه: هناء عطية بين الأدب والسينما
رحلة عطاء بين الريف والمدينة

حاتم عبدالهادي السيد

تظل إبداعات المرأة المصرية شاهدة على العصر، ومجتذبة لدواخل،وجوانيات النفوس الإنسانية. ومستشرفة لعالم المرأة السري، والذي يصعب على الرجال فهمه، إذا لم تحكيه امرأة مبدعة، تكشف عن جوانياته، وخوافيه، ومنبع الدف، والعاطفة داخله.

إنها الأنثى : المرأة التي جمعت بين عالم الريف والمدينة، وقدمت رؤاها على صفحات الأوراق، وبين شاشات السينما، فاجتذبت معها القلوب، لتطلعنا على جوانب مخفية للمرأة: كيف تفكر؟ همومها الشخصية، وعلاقتها بالمكان، والمجتمع والعالم، والحياة !!.
وكاتبتنا الراحلة المبدعة/ هناء عطية ظلت مخلصة للقصة والرواية، وكتابة السيناريو الذي تخصصت فيه بعد تخرجها في المعهد العالي للسينما.
بدأت هناء عطية حياتها بكتابة الشعر والقصة القصيرة، ثم ركزت اهتمامها على القصة القصيرة، بإعتبار القصة تقدم عالما واقعيا، أو موازيا للواقع، فأصدرت عدة مجموعات قصصية، منها : “مطر هادئ”، و”شرفات قريبة” و “عن الأذى”، بالإضافة إلى مجموعة قصصية بعنوان “عنف الظل” -وحصدت بها جائزة ساويرس الثقافية في فرع كبار الأدباء كأفضل مجموعة قصصية لعام 2009- كما صدرت لها روايتان بعنوان: “رمادي” و”تمارين الورد”، وأخيرا ديوان شعر نثري بعنوان: “آخر القلب”.
ثم اتجهت لكتابة السيناريو، فقدمت فيلمين، لاقا قبولا واسعا لدى جماهير السينما، لإرتباطهما بالواقع، والكشف عن خبايا المرأة المصرية الدفينة، ورغم قلة أعمالها السينمائية، إلا أنها كانت شديدة التأثير والعمق، وحفرت اسمها بين كبار كتاب السيناريو، وكان فيلمها “خلطة فوزية” (2009) البداية التي انطلقت منها إلى الشاشة السينمائية – من بطولة إلهام شاهين، واخراج كاملة أبو ذكري- والذي ناقش تفاصيل الحياة في المناطق العشوائية بروح إنسانية عالية، وكشف عن الكثير من تفاصيل الحياة اليومية للمصريين، وأمام الستار عن حياة المهمشين الذين يعيشون في المناطق العشوائية، ليكتسب الفيلم جماهيرية واسعة، مهدت لظهور فيلمها الثاني : “يوم للستات” (2016)والذي يعد من أهم أفلام السينما النسائية المصرية ، وقد حازت عنه جائزة أفضل سيناريو في مهرجان لندن السينمائي الدولي.
وفيلم يوم للستات، هو فيلم درامي-مصري، من إخراج كاملة أبو ذكري وتأليف هناء عطية. وبطولة إلهام شاهين وفاروق الفيشاوي ومحمود حميدة وهالة صدقي. وقد عُرٍضَ الفيلم لأول مرة بتاريخ 16 أكتوبر 2016 في مهرجان لندن السينمائي. ويعد الفيلم رقم 100 في مسيرة الفنانة إلهام شاهين. وهو التعاون الثاني بين إلهام شاهين والكاتبة هناء عطية بعد فيلم «خلطة فوزية». وهو أيضاً ثاني تعاون سينمائي على التوالي بين إلهام شاهين والمخرجة كاملة أبو ذكري بعد فيلم «واحد/صفر». واستغرق العمل على الفيلم قرابة 6 سنوات.

ولقد كانت هناء عطية تعشق الكتابة بين الواقع والخيال، وتجيد ذلك، وتدرك أن الواقع لابد أن يمر على الخيال من طريق المنطقة الرمادية، غير المباشرة، وكثير ما أكدت بأن أعمالها تقع دائماً في المنطقة الكائنة بين الواقعي والخيالي، فهي تستعير من الواقع بعض الشخصيات الحقيقية، أو المرجعية بلغة النقد، وتقوم بإعادة تأليفها، إضافة إلى الشخصيات المبتدَعة أو “الورقية”؛ بمصطلح “جيرار جينيت”، وهذا ما نراه في روايتها “رمادي”، الصادرة عن دار “بيت الياسمين” في القاهرة. ويؤكد ذلك أ.د/ محمد السيد إسماعيل
حيث قال : إن المصرية هناء عطية تتوسل الحلم لكسر قسوة الواقع، ورواية “رمادي” تظل شخصيات أبطالها ملتبسة بين الحقيقي والزائف، ويجىء عنوان الرواية معبرا عن هذه المنطقة الأثيرة، الواقعة بين المتخيل والحقيقي؛ المنطقة “الرمادية” التي تجمع بين الأبيض والأسود، أو بين الخير والشر، والصدق والكذب،والإخلاص والخيانة. وقد انسحبت هذه الثنائيات على ما طرحته الكاتبة من قضايا تأتي في مقدمتها ثورة يناير التي اخترقها الأدعياء والمتآمرون في مقابل مَن ضحوا بأرواحهم في سبيل أهدافها، كما جاء في هذه الرواية، التي تجمع بين الواقعي والحياتي: بين الثورة التي في ميدان التحرير، وتقاطعات الحياة اليومية، وخروجها عبر زماني السرد لتطلعنا إلى نماذج ثورية من جيل الستينات، ثم العودة إلى أحداث الرواية؛ لتؤكد من جديد على أن سرد الواقع المعاش لابد وأن يرتبط بالذاكرة الجمعية لحياة المصريين؛ في الريف؛ والمدينة، وتداعيات الحياة وتفاصيلها ،والظروف السياسية، والإقتصادية، والإجتماعية التي أدت إلى تلك الثورة، وغير ذلك.

لقد أخلصت هناء عطية لعرض قضايا الواقع ، وحياة المرأة المصرية في الريف، والمدينة، وعبرت عن ذلك بالعديد من المواقف، والمشاهد؛ التي جمعت بين اليومي الحياتي، والفنتازي، والرمادي الذي يلون الأحداث، لتخرج من شرك السرد المألوف؛ إلى شعرية السرد، وتخييلاته، التي لها جذور في التربة المصرية بأصالتها، وعبر معاصرتها الممتدة.

ولم تركز كثيرا على كتابة الشعر، مع أنها بدأت شاعرة، ولعل ديوانها ” آخر القلب”، يجسد الذات ومكابداتها عبر الواقع، ويفتح مجالات لبراح الفضفضة الشعرية، أو البوح والإفضاء بآلام وهموم، وآمال المرأة المصرية، والعربية؛ في الوقت الراهن.
كما تركز أ./ هناء عطية في كتابتها الشعرية، والنثرية؛ على قضايا الذات، والجسد، وتعري المعني، ليظل أسيرا لعدم الوضوح، والترامز، والضبابية، وكأنها أسرته في المنطقة الرمادية التي تجيد الكتابة عبرها، لتهرب من الواقع إلى الحلم، ومن البراح النسبي إلى فضاء الذات، عبر “أدب الصمت والسكون” ، و”عالم مابعد السيمولوجيا”؛ لتستعيض عن الدوال والمدلولات بالمواقف، والإشارات، لتقدم لنا في النهاية فنا، وإبداعا، وصورة حركية بصرية، واقعية متجسدة أمامنا، لكنها مختلفة ومغايرة كما رأيناها في مجموعتها القصصية : ” عنف الظل”، و ” تمارين الورد” التي استطاعت من خلالهما أن تجسد روح الأنثى، وكتاباتها الحرة، عبر عالم يشي بالقيود، والحدود، والمتعالقات التناصية، التي أرادت بها كسر التابوهات الذاتية، والمجتمعية، لتعبر من الواقعي إلى المادي، ومن الذاتي إلى مابعد السيموطيقي، لتتحرر الذات، وتكتب البراح الذي تتخيله عبر واقع يشي بالحلكة، والمعاناة، وبالمكابدات، والتشظي. لكنها استطاعت رغم ذلك أن تسكن ذواتنا، لأنها خاطبت أرواحنا ، وخشت إلى أعماقنا النفسية، والروحية، بل والجسدية ،عبر المنطقة الرمادية، وسجنتنا معها – عبر التأويل- لنستنطق واقعنا الحقيق،والمثير، والأثير، والممتع، والحزين، واللامعقول، والمتخيل، والذاتي كذلك.

تظل المبدعة / هناء عطية؛ ابنة الكتابة الأنثوية، التي جسدت عالم المرأة في كل العصور، واستطاعت أن تكشف عن خبيئاتها، وجوانياتها، وجوهر أعماقها، وذاتيتها التي تفسر لنا كيف تفكر أنثى الشرق، وعلاقاتها بالآخر، وبالذات، والكون، والمجتمع، والعالم، والحياة !!.

حاتم عبدالهادي السيد
ناقد مصري معاصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى