الذهب في مصر القديمة.. معدن الخلود وسر الإلهية
كتبت شيماء طه
لم يكن الذهب مجرد معدن نفيس في مصر القديمة، بل كان رمزًا للخلود والقداسة، ومعيارًا للجمال والسلطة. ارتبط الذهب في الوجدان الفرعوني بالشمس والإله رع، إله النور والحياة، فكانوا يرون فيه جوهر الأبدية التي لا تصدأ ولا تفنى. ومنذ آلاف السنين، اعتبره المصريون هدية الآلهة للبشر، واستخدموه في الزينة والطقوس الدينية والدفن الملوكي.
رمز الأبدية والإلهية
آمن المصري القديم أن الذهب مادة سماوية نزلت من الآلهة، ولهذا كان يُستخدم في تزيين التماثيل المقدسة وتغليف توابيت الملوك، كما في قناع الملك توت عنخ آمون المصنوع من الذهب الخالص والمحفوظ حتى اليوم كأجمل ما خلفته الحضارة المصرية.
كانت عبارة “الذهب لا يصدأ” تحمل في معناها لديهم سر الخلود؛ فهو يعكس شمس رع التي لا تغيب، ويقاوم الزمن كما تقاوم الروح الفناء.

الذهب في الطقوس والمقابر
استخدم الكهنة الذهب في تغطية مومياءات الملوك وملابسهم الجنائزية، لأنهم كانوا يؤمنون أن الجسد الذهبي يساعد الروح على الاتحاد بالإله رع في السماء.
ولذلك كانت المقابر الملكية في وادي الملوك مليئة بالتماثيل والأثاث الذهبي، حيث يُعد الذهب لغة التواصل بين الأرض والسماء، وعنوانًا للحياة الأبدية بعد الموت.
صناعة الذهب وأماكن استخراجه
كان المصريون الأوائل من أوائل الشعوب التي استخرجت الذهب من المناجم في الصحراء الشرقية وجبال النوبة. وقد عُرفت مناطق مثل وادي الحمامات والقصير والبرامية كمراكز رئيسية للتعدين.
أما عملية الصهر والتشكيل، فكانت تتم في ورش خاصة داخل المعابد الملكية، حيث كان الحرفيون المهرة يصنعون الحُلي والتيجان والأقنعة والأواني بدقة مذهلة، مستخدمين تقنيات متقدمة في السبك والطرق والنقش.
الذهب في الزينة والسلطة
لم يكن الذهب حكرًا على الملوك فحسب، بل استخدمته الطبقات الثرية من نساء النبلاء وكهنة المعابد في الزينة الشخصية.
وقد وُجدت حُلي ذهبية رائعة لنساء من الطبقة العليا، مثل الأقراط والتيجان والعقود والأساور، تبرز الذوق الرفيع والإبداع الفني للحضارة المصرية القديمة.
أما الملوك، فكانوا يتوجون به تيجانهم ليعلنوا سلطتهم الإلهية، إذ إن الذهب كان “لغة القوة” في عالم الفراعنة.
الذهب في الفكر الديني والرمزي
في المعتقد الفرعوني، جسد الإله مصنوع من الذهب، وعظامه من الفضة، وشعره من اللازورد، وفق نصوص الأهرام القديمة.
وهذا يفسر حرص الكهنة على استخدام الذهب في التماثيل المقدسة والرموز الطقسية. كان الذهب عندهم تجسيدًا للنور الإلهي، وأداة لحماية الروح في رحلتها الأبدية.
إرث لا يزول
حتى اليوم، لا يزال الذهب شاهدًا خالدًا على عبقرية المصريين القدماء، الذين لم يروا فيه مجرد ثروة مادية، بل جسرًا بين الإنسان والآلهة.
وفي المتاحف المصرية والعالمية، تروي التحف الذهبية قصصًا عن ملوك خلدوا أسماءهم، وأمة آمنت أن النور لا يموت.



