توران شاه: الأخ الأكبر لصلاح الدين ومغامراته في اليمن والشام
توران – بفتح التاء المثناة وسكون الواو وبعدها راء ثم بعد الألف نون – وهو كلمة أجنبية، وشاه – بالشين المعجمة – هو الحاكم باللغة العجمية، ومعناه سلطان المشرق. وسمي المشرق توران لأنه أرض الترك، والعجم يقولون للترك تركان، ثم غيروه فنطقوا: توران، والله أعلم.
من هو توران شاه
هو الحاكم الأعلى شمس الدولة توران شاه بن أيوب بن شاذي بن مروان المكنى فخر الدين. وهو أخو السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى، وكان أكبر منه. وكان السلطان يثني عليه كثيراً ويفضله على نفسه. وأخبره أن في اليمن رجلاً اسمه عبد النبي بن مهدي يدعي أنه يمتد ملكه حتى يحكم الأرض جميعاً. وكان قد سيطر على كثير من بلادها واحتل قلاعها ونادى لنفسه، وكان السلطان قد أثبت أسسه وقوى جيشه. فأعد لأخيه شمس الدولة المذكور جيشاً اختاره، وانطلق بها من الديار المصرية في وقت رجب سنة تسع وستين وخمسمائة، فسار إليها، ونصره الله عليها، وقضى على الفاسق الذي كان فيها. وحكم أغلبها. وأعطى وأغنى ناساً كثيراً، وكان جواداً سخياً، ثم إنه رجع من اليمن والسلطان على حصار حلب. فأتى إلى دمشق في ذي الحجة سنة واحدة وسبعين. ولما عاد السلطان من الحصار وسار إلى الديار المصرية وكله بدمشق، فبقي بها مدة ثم انتقل إلى مصر.
وذكر ابن شداد في سيرة صلاح الدين أنه مات يوم الخميس أول صفر، بثغر الاسكندرية المحروس. وحملته أخته شقيقته ست الشام بنت أيوب إلى دمشق ودفنته في مدرستها التي بنتها بظاهر دمشق. فهناك قبره وقبرها وقبر ولدها حسام الدين عمر بن لاجين وقبر زوجها ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن أسد الدين شيركوه سيد حمص. وكانت تزوجته بعد لاجين.
استقرت بلاد اليمن
لما استقرت بلاد اليمن لشمس الدولة وثبتت له أمورها مله المقام بها لأنه نشأ في بلاد الشام. وهي كثيرة الخير، واليمنبلاد قاحلة من ذلك كله. فكتب إلى أخيه صلاح الدين يودعه منها ويطلب منه الإذن له في الرجوع إلى الشام. ويبوح له بحاله وما يعانيه من نقص المرافق التي يحتاج إليها، فأرسل إليه صلاح الدين رسولاً حاملاً رسالته تشجيعه على البقاء وأنها كثيرة الأحوال ومملكة عظيمة، فلما سمع الرسالة قال لمسؤول خزانته: أحضر لنا ألف دينار، فأحضرها، فقال لمدير داره والرسول حاضر معه: أرسل هذا الكيس إلى السوق يشترون لنا بما فيه قطعة ثلج، فقال مدير الدار: يا مولانا، هذه بلاد اليمن من أين يوجد فيها ثلج؟ فقال: دعهم يشترون بها طبق مشمش لوزير.
فقال: من أين يحصل هذا النوع هنا؟ فبدأ يسرد عليه جميع أنواع فواكه دمشق ومدير الدار يعبر عن الدهشة من كلامه، وكلما قال له عن نوع يقول له: يا مولانا من أين يوجد هذا هنا؟ فلما انتهى من الكلام إلى آخره قال للرسول: ليت شعري ماذا أفعل بهذه الأموال إذا لم أستفد منها في متعتي ورغباتي؟ فإن المال. لايؤكل بذاته، بل الفائدة فيه أن ينفع به الانسان لتحقيق أهدافه. فرجع الرسول إلى صلاح الدين وأخبره بما حدث، فأذن له في القدوم.
وعندما وصل إلى دمشق ناب عن أخيه صلاح الدين بها لما عاد صلاح الدين إلى الديار المصري. ثم انتقل إلى الديار المصرية في سنة أربع وسبعين وخمسمائة، وكان أخوه صلاح الدين قد سيره في سنة ثمان وستين وخمسمائة إلى بلاد النوبة ليفتحها قبل سفره إلى اليمن. فلما وصل إليها وجدها لا تساوي المشقة فتركها ورجع. وقد غنم شيئاً كثيراً من الرقيق، وكانت له من أخيه إقطاعات، ونوابه باليمن يجيبون له الأموال، ومات وعليه من الديون مائتا ألف دينار. فقضاها عنه صلاح الدين.



