الجيل الجديد في السعودية: كيف تعيد رؤية 2030 تشكيل هوية الشباب؟
أسماء صبحي – في العقد الأخير، شهدت المملكة العربية السعودية تغيرًا جذريًا في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لكن أبرز ملامح هذا التحول تجسدت في إعادة تشكيل هوية الجيل الجديد من الشباب. وهو ما تسعى إليه رؤية السعودية 2030 بشكل ممنهج وواضح. فمنذ إعلان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عن هذه الرؤية الطموحة في عام 2016. أصبح الشباب السعودي في قلب المشروع الوطني، شركاء في التنمية، وروادًا في التغيير.
الجيل الجديد في قلب التحول
الشباب هم الفئة الأكبر في المجتمع السعودي. حيث تشير الإحصائيات إلى أن أكثر من 65% من سكان المملكة هم دون سن الـ35. وهو ما يجعلهم المورد البشري الأهم في بناء المستقبل. وقد أكدت رؤية 2030 على ضرورة تمكين الشباب وتوفير البيئة المناسبة لهم للإبداع والمشاركة الفاعلة في الاقتصاد والمجتمع.
وقد صرح ولي العهد في أكثر من مناسبة بأن “الشباب هم الوقود الحقيقي لرؤية 2030”. وهو ما انعكس في برامج عملية تشمل التعليم، التوظيف، ريادة الأعمال، الثقافة، والفنون.
التعليم الحديث
أعادت المملكة هيكلة نظام التعليم بما يتوافق مع معايير العصر واحتياجات السوق. فلم يعد الهدف مجرد التلقين والحفظ، بل التركيز على المهارات التحليلية، التفكير النقدي، والابتكار. وقد تم إدخال مناهج جديدة مثل البرمجة، الذكاء الاصطناعي، وريادة الأعمال في المراحل الدراسية المختلفة. ما يعكس تغيرًا كبيرًا في طريقة تفكير الجيل الجديد وتطلعاته.
كما تم التوسع في برامج الابتعاث الخارجي، وإبرام شراكات مع جامعات عالمية رائدة. مما أسهم في فتح آفاق أوسع أمام الشباب السعودي للاطلاع على ثقافات مختلفة وتطوير هويتهم بشكل أكثر انفتاحًا وحداثة.
سوق العمل
أحد التحولات الكبرى التي ساهمت في إعادة تشكيل هوية الشباب السعودي هو الخروج من نمط البحث عن وظيفة حكومية تقليدية إلى مفهوم ريادة الأعمال والعمل الحر. ودعمت الحكومة هذا التوجه من خلال مبادرات مثل “منشآت”، “باب رزق جميل”، وبرنامج “كفالة”. مما مكن آلاف الشباب من بدء مشاريعهم الخاصة، في قطاعات لم تكن مألوفة من قبل، كالتكنولوجيا، التصميم، والأزياء.
كما لعبت المرأة السعودية دورًا بارزًا في هذا التحول، حيث دخلت مجالات جديدة كانت محرومة منها سابقًا مثل الملاحة الجوية، البرمجة، والإعلام. وهو ما ساهم في إعادة تعريف دور المرأة في المجتمع.
الهوية الثقافية والفنية
لم يكن التعبير الثقافي والفني جزءًا بارزًا في الحياة العامة السعودية لعقود طويلة. لكن مع انطلاق رؤية 2030 تغيرت المعادلة تمامًا. فقد تم تأسيس وزارة الثقافة وإطلاق العديد من المبادرات والمواسم الثقافية مثل “موسم الرياض” و”موسم جدة”، التي أتاحت للشباب منصة للتعبير عن أنفسهم.
انتشر فن الجرافيتي، والموسيقى، والتمثيل، وصناعة المحتوى. وأصبح الانتماء إلى مشاريع فنية ثقافية جزءًا من هوية الشباب. الذين باتوا يعبرون عن رؤيتهم الخاصة للحياة وللمجتمع بأساليب جديدة وغير تقليدية.
التحول الرقمي ضمن هوية الجيل الجديد
من أبرز ملامح هوية الجيل الجديد في السعودية هي الهوية الرقمية. حيث باتت التكنولوجيا جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية. وتدعم رؤية 2030 التحول الرقمي الشامل، وقد تم تطوير بنية تحتية متقدمة في هذا المجال. مما سهل على الشباب التفاعل مع العالم، سواء من خلال التجارة الإلكترونية، التعلم عن بعد، أو حتى بناء مجتمعات رقمية في منصات التواصل الاجتماعي.
وأسهم هذا التحول في بناء جيل أكثر وعيًا، أكثر قدرة على التعبير عن نفسه، وأكثر اتصالًا بالعالم، مما أضاف بعدًا عالميًا لهويته الوطنية.
التوازن بين الحداثة والتقاليد
رغم الانفتاح الكبير الذي يشهده المجتمع السعودي، إلا أن الشباب لم يتخلوا عن القيم الدينية والاجتماعية التي تميزهم. بل برزت نماذج شبابية استطاعت أن توازن بين الجذور الثقافية والهوية الحديثة. مثل ارتداء الزي السعودي التقليدي في المحافل العالمية، أو استخدام اللغة العربية الفصحى في صناعة المحتوى الرقمي. أو حتى الحفاظ على قيم الأسرة في بيئات العمل الحديثة.
يعكس هذا التوازن تحولًا ناضجًا في هوية الجيل الجديد. الذي لا يرى تناقضًا بين الانتماء للتقاليد والانفتاح على العالم.
تمكين المرأة
أحد الجوانب الثورية في تشكيل هوية الجيل الجديد هو دمج المرأة بشكل فعّال في كل المجالات. لم يعد التعليم والعمل والقيادة حكرًا على الرجال، بل أصبحت المرأة السعودية شريكة في المشهد الوطني، تسافر وتقود وتشارك في صنع القرار. وهذا التغيير لم ينعكس فقط على النساء، بل شكّل وعيًا مختلفًا لدى الشباب الذكور أنفسهم. حيث أصبح التعاون والمساواة جزءًا من ثقافتهم الجديدة.



