من لصوص المقابر إلى المستعمرين.. رحلة نهب آثار مصر عبر العصور .
من لصوص المقابر إلى المستعمرين.. رحلة نهب آثار مصر عبر العصور .
كتبت شيماء طه
لم تتوقف قصة سرقة الآثار في مصر عند لصوص المقابر في العصور الفرعونية، بل امتدت على مدار القرون حتى العصر الحديث، حيث تحولت الكنوز المصرية إلى مطمع للقوى الاستعمارية والبعثات الأجنبية ، وبينما كان لصوص العصور القديمة ينهبون الذهب والمجوهرات لبيعها سرًا، جاء المستعمرون والرحالة الغربيون بأساليب منظمة لنقل الآثار إلى متاحف أوروبا والعالم ، في مصر القديمة، واجه الفراعنة خطر لصوص المقابر الذين تسللوا إلى وادي الملوك والملكات، بحثًا عن الذهب والأثاث الجنائزي ، وقد تركوا آثار جرائمهم واضحة في معظم المقابر الملكية، حتى أن القليل منها فقط نجا من النهب مثل مقبرة توت عنخ آمون ، غير أن المصريين القدماء واجهوا هذه الجرائم باللعنات والعقوبات، كما تكشف البرديات مثل بردية “أبوت” التي تسجل تفاصيل محاكمات للصوص.

لكن مع ضعف الدولة المصرية في العصور اللاحقة، وخاصة خلال الفتح اليوناني والروماني ثم العثماني، أصبح نهب الآثار أكثر اتساعًا. كانت التماثيل الضخمة والأعمدة تُقتلع من أماكنها لتزيّن قصور الملوك والأباطرة في الخارج.
ولكن مع دخول الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت (1798-1801)، بدأ نهب الآثار يأخذ طابعًا “علميًا” تحت غطاء الدراسات الأثرية. ورغم أن علماء الحملة قدموا لمصر “كتاب وصف مصر” الذي وثّق معالمها بدقة، فإنهم أيضًا استولوا على عدد كبير من القطع الأثرية.
وجاء القرن التاسع عشر ليشهد أكبر موجة نهب على يد البعثات الأوروبية، خاصة البريطانية. أبرز مثال على ذلك حجر رشيد، الذي اكتشفه الفرنسيون عام 1799 لكنه وقع في أيدي البريطانيين بعد هزيمتهم للفرنسيين، ليعرض منذ ذلك الحين في المتحف البريطاني بلندن ، كذلك امتلأت متاحف أوروبا مثل اللوفر في باريس والمتحف الألماني في برلين بقطع مصرية لا تُقدّر بثمن.
لم تكن هذه العمليات تتم دائمًا بسرية، بل جرت أحيانًا بغطاء رسمي. ففي زمن محمد علي باشا، وُزعت بعض الآثار كهدايا إلى ملوك أوروبا لتعزيز العلاقات السياسية. كما انتشرت تجارة الآثار غير المشروعة بين التجار الأجانب، الذين استغلوا ضعف القوانين المصرية آنذاك لنقل آلاف القطع إلى الخارج.
وهكذا، نجد أن سرقة الآثار في مصر مرت بمراحل مختلفة ؛ من لصوص مقابر يتسللون ليلًا بحثًا عن الذهب، إلى مستعمرين وقوى كبرى تنهب التراث علنًا تحت مسمى “الإكتشافات الأثرية”
وكانت النتيجة أن جزءًا ضخمًا من التراث المصري ما زال موزعًا بين المتاحف العالمية حتى اليوم، فيما تبذل الدولة جهودًا حثيثة لاسترداده عبر القنوات الدبلوماسية والقانونية.
إن هذه القصة تكشف أن مصر، صاحبة واحدة من أعظم الحضارات، كانت دومًا في صراع مع الطمع البشري ، وبينما صمدت آثارها آلاف السنين، فإن الحفاظ عليها اليوم لا يقل أهمية عما فعله الأجداد ، فالمعركة لم تنتهِ بعد، وما تزال قضية استرداد الآثار المنهوبة رمزًا لإصرار مصر على حماية هويتها وذاكرتها التاريخية.



