حوارات و تقارير

قبيلتين من نسل آدم.. من هم “يأجوج ومأجوج” وأين موطنهم الحقيقي؟

أميرة جادو

يعتبر توقيت ظهور “يأجوج ومأجوج” من أكثر المسائل التي تثير فضول الناس وتساؤلاتهم على مر العصور، خاصة مع ورود ذكرهم في الديانات السماوية الثلاث: الإسلام والمسيحية واليهودية، وبينما تزخر الروايات الشعبية بحكايات خيالية لا تستند إلى أصل ديني، يظل المرجع الأساسي لما يتعلق بهم هو ما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية، بعيدًا عن الأساطير المتداولة.

قبيلتين من ذرية آدم

يعتقد بعض الناس أن “يأجوج ومأجوج” ليسوا من البشر، إلا أن عددًا من الروايات الإسلامية يؤكد بوضوح أنهم من ذرية آدم عليه السلام، وأنهم قبيلتان تنحدران من نسل يافث بن نوح، الذي يعد أصلًا للترك، كما تشير هذه الروايات إلى أنهم كانوا يتمتعون بقوة وبأس شديد وسطوة واضحة.

مكان يأجوج ومأجوج

وفي هذا السياق، تناول الباحث الأردني عبد الله شربجي في كتابه “رحلة ذو القرنين إلى المشرق” موطن يأجوج ومأجوج، مقدمًا دراسة تشير إلى أن موضعهم يقع في آسيا الوسطى، وهو ما يتعارض مع دراسات أخرى نسبتهم إلى مناطق مختلفة خارج هذا الإقليم.

سبب تسمية يأجوج ومأجوج

في هذا الصدد، أوضح الشيخ محمد بن صالح العثيمين، في شرحه لكتاب “العقيدة السفارينية”، أن تسمية يأجوج ومأجوج مشتقة من “الأجيج”، وهو صوت اشتعال النار واضطراب لهبها عند اشتداده وتداخل بعضه ببعض.

من جانبه، ذكر عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي الحنبلي في “حاشية الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية” أن سبب التسمية قد يعود إلى كثرتهم وقوتهم، أو إلى لفظ “الأجاج” الذي يعني الماء شديد الملوحة، كما قيل إن الاسمين أعجميان، واتفق علماء الأنساب على أنهم من نسل يافث بن نوح.

نظريات متنوعة

ولا تتوقف تفسيرات التسمية عند هذا الحد، إذ يظهر الاسمان كذلك في اللغة العبرية، ما يعزز الرأي القائل بأنهما أعجميان لا اشتقاق لهما في العربية. وفي العبرية، تعني كلمة “ما” في “ماجوج” معنى “في” أو “من”، ليصبح المعنى “جوج من أرض جوج”.

كما تشير إحدى النظريات إلى أن اسم “مأجوج” كان يطلق في العبرية – بعد حذف الواو – على مدينة “بابل”، بينما تذهب نظرية أخرى إلى أن التسمية تعود لأصل صيني يعني “قارة شعب الخيل”، وهو وصف ينطبق على شعوب تقطن شمال وغرب الصين، ما ينسجم مع طرح الباحث عبد الله شربجي الذي يرى أن قيرغيزستان، الغنية بالخيول والمجاورة للصين غربًا، قد تكون موطن يأجوج ومأجوج.

وصف يأجوج ومأجوج

تتلاقى الأوصاف الجسدية الواردة في الروايات الإسلامية مع هذه النظرية، حيث نقل الحافظ الهيثمي، نقلًا عن روايات أخرجها أحمد والطبراني، وصفًا ليأجوج ومأجوج بأنهم عراض الوجوه، صغار العيون، ذوو شعر أسود تميل أطرافه إلى الحمرة، ويخرجون من كل مرتفع، وتشبه وجوههم التروس المصنوعة من الحديد لعرضها واستدارتها وغلظها.

وعند التوقف أمام أوصاف مثل “عراض الوجوه” و”صغار العيون” وتشبيه الوجوه بـ”المجان المطرقة”، وربطها بتسمية “قارة شعب الخيل”، يبرز تشابه واضح مع ملامح بعض شعوب آسيا الوسطى، وهو ما يجعل طرح عبد الله شربجي أكثر قابلية للنقاش والدراسة.

رحلة ذي القرنين لبناء السد

وبتتبع رحلة ذي القرنين لبناء السد الذي حال دون اندفاع يأجوج ومأجوج، يشير شربجي إلى منطقة جبلية تقع بين غرب قيرغيزستان وشرق أوزبكستان، على الحدود الفاصلة بين البلدين. وتقطن هذه المنطقة شعوب تركية متعددة مثل الأوزبك والكازاخ والقيرغيز والتركمان والأيغور، ويمتد وجودهم إلى أذربيجان وشمال غرب إيران وتركيا.

كما يرجح الباحث أن موقع السد أو الردم يقع في منطقة تفصل بين الشعبين القيرغيزي والأوزبكي، بالقرب من شمال غرب الصين، مستندًا إلى صور وخرائط تدعم هذا الطرح.

أين هي أرض يأجوج ومأجوج؟

وتبرز في هذا الإطار قصة رحلة “سلام الترجمان” الذي أرسله الخليفة العباسي الواثق بالله بعد أن رأى في المنام أن سد ذي القرنين قد انفتح. فانطلق سلام في رحلة طويلة نحو شمال آسيا بحثًا عن موضع السد.

وقد أورد الإدريسي وابن خرداذبه تفاصيل هذه الرحلة، واعتبرها المستشرق “دي خويه” واقعة تاريخية ذات مصداقية، وهو الرأي الذي دعمه الباحث “توماشك”. كما أشار عالم البيزنطيات فاسيلييف إلى أن سلامًا عاد مطمئنًا الخليفة بشأن سلامة السد وعدم خروج يأجوج ومأجوج.

العين الحمئة في قصة ذي القرنين

يرى عبد الله شربجي أن بحيرة “إيسيك كول” في قيرغيزستان هي المقصودة بـ”العين الحمئة” في قصة ذي القرنين، إذ يظهر شكلها في صور الأقمار الصناعية كعين واضحة المعالم. وتتغذى البحيرة من أنهار وينابيع ساخنة، وتحتوي على طين، كما أن اسمها في اللغة القيرغيزية يعني “البحيرة الدافئة”، وهي لا تتجمد طوال العام رغم انخفاض درجات الحرارة إلى ما دون الصفر.

ويذكر الباحث أن نحو 118 نهرًا وجدولًا تصب في البحيرة، أبرزها “جيرغالان” و”تيوب”، إلى جانب الينابيع الساخنة التي تمدها بالمياه.

التشابه بين “العين الحمئة” و”ايسيك كول”

ويظهر هذا التشابه بوضوح في صور الأقمار الصناعية الملتقطة من وكالة “ناسا”، حيث تبدو البحيرة كعين عملاقة تحيط بها سلاسل جبلية شاهقة من جميع الجهات، يحدها من الشمال جبال “ترسكي آلاتاتو” أي الجبال البعيدة عن الشمس، ومن الجنوب جبال “كونجي آلاتاتو” أي الجبال المواجهة للشمس.

ليسوا من شعوب آسيا الوسطى

كما تؤكد الروايات أن وجود يأجوج ومأجوج في تلك المنطقة لا يعني أن شعوب آسيا الوسطى من نسلهم، بل تفيد بأن ذا القرنين أقام سدًا من الحديد والنحاس حجزهم خلفه، ومنع خروجهم إلى بلاد الترك حتى لا يعيثوا فيها فسادًا ويدمروا الزرع والنسل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى