فنون و ادب

“ده في المشمش”.. اعرف حكاية هذا المثل الشعبي

أميرة جادو

تعتبر الأمثال الشعبية من الركائز الأساسية في الثقافة المصرية، وهي انعكاس حي للحكمة المتوارثة والتجارب الإنسانية التي صاغتها الأجيال في عبارات موجزة تحمل معاني عميقة، فلا تكاد تمر مناسبة أو موقف إلا ويجد الناس فيه مثلًا شعبيًا مناسبًا، إذ تسري هذه الأمثال على ألسنة المصريين في أحاديثهم اليومية، سواء في الريف أو الحضر، وتستخدم للتعبير عن مواقف متعددة تتعلق بالحياة والعمل والعلاقات الاجتماعية.

ويقال إن وراء كل مثل شعبي حكاية دفعت الناس إلى إطلاقه وتداوله، حتى صار جزءًا لا يتجزأ من الوعي الجمعي، ومن بين أبرز تلك الأمثال التي لا تزال تتردد حتى اليوم: “ده في المشمش”، قد يبدو المثل غريبًا في مضمونه عند سماعه للمرة الأولى، لكنه يخفي وراءه قصة تحمل الكثير من العظة والدلالة.

قصة مثل في المشمش

ووفقًا لما جاء في كتاب “قصص الأمثال” للكاتب الأدبي سيد خالد، فإن حكاية مثل “ده في المشمش” ترجع إلى واقعة طريفة ذات مغزى اجتماعي، تبدأ القصة برجل ثري عاش سنوات طويلة في رفاهية، ثم تبدلت أحواله فجأة وخسر كل ما يملك، ولم يجد مأوى يأويه بعد إفلاسه، صادف في طريقه رجلًا فقيرًا، رق لحاله وأخذه معه إلى بيته، وقرر أن يشاركه وأسرته الطعام والمسكن رغم ضيق ذات اليد.

وفي أحد الأيام، اشترى الرجل الفقير بعض حبات المشمش الناضجة لتأكلها زوجته وأطفاله، وكان هذا النوع من الفاكهة يعتبر موسميًا ونادر الوجود، ولا يظهر إلا لفترة قصيرة من السنة، شاركهم الضيف الثري الطعام، واكتفى بثلاث ثمرات فقط من المشمش، ما لم يثر أي ضيق أو شكوى.

وفي اليوم التالي، أحضر الرجل الفقير عناقيد من العنب الطازج، وفوجئ بأن الضيف بدأ يلتهم العنب بشراهة، ولم يراعي وجود الأسرة، وكأنه لا يشعر بأي حرج من التهام كميات كبيرة دون حساب، وعندما طلب منه الرجل الفقير أن يترك كمية كافية من العنب ليطعم بها أطفاله، رد عليه الضيف الثري بوقاحة قائلاً: “لا، ده في المشمش!”، أي أنه لن يفعل ذلك، والطلب مستبعد تمامًا.

حكاية مثل

وهذا الموقف ساهم في تداول المثل الشعبي بين الناس، وأصبح يستخدم تعبير “ده في المشمش” للإشارة إلى شيء لن يحدث أبدًا، أو مطلب من المستحيل تحقيقه، إذ أن فاكهة المشمش معروفة بندرتها وقصر موسمها، كما أن حجمها صغير نسبيًا، وفيها بذرة كبيرة تجعل تناول كميات كبيرة منها في وقت قصير أمرًا صعبًا، أما العنب، فهو فاكهة يمكن أكل الكثير منها دفعة واحدة دون عناء، مما جعل المقارنة بينهما مناسبة لتوضيح جشع الضيف وعدم مراعاته.

ومع مرور الزمن، اكتسب المثل بعدًا ساخرًا وأصبح ردًا شائعًا في المواقف التي يطلب فيها أمر غير متوقع أو يصعب تصديقه، مثل أن يقول أحدهم: “هل ستسدد ديونك هذا الشهر؟” فيجيب الآخر: “ده في المشمش!”، أي لا تراهن على ذلك.

حكاية مثل في المشمش

والجدير بالإشارة أن هذا المثل يعكس تناقضات الواقع الاجتماعي، ويظهر المفارقة بين الكرم من جهة، والطمع والجحود من جهة أخرى، كما يسلط الضوء على مدى عمق الثقافة الشعبية في تصوير المواقف الحياتية العادية بطريقة فكاهية لكن ذات مغزى.

فـ”المشمش” لم يكن مجرد فاكهة في القصة، بل تحول إلى رمز لكل ما هو نادر أو مستحيل، في حين أصبح “العنب” مرآة لسلوك الإنسان عندما يتجاوز في استغلال كرم الآخرين.

دا في المشمش

بات المثل متداولًا بين جميع فئات المجتمع المصري، وأصبح جزءًا من التراث الشفهي الذي يتناقله الناس من جيل إلى جيل. ورغم بساطة العبارة، إلا أنها تنطوي على درسٍ أخلاقي عميق، وتعبر ببلاغة عن واقع يكرره كثيرون: الوعد بشيء يعرف صاحبه أنه لن يتحقق أبدًا.

والجدير بالذكر أن هذا المثل كما غيره من الأمثال الشعبية، أن لكل عبارة دارجة جذورًا إنسانية وتاريخية، فالموروث الشعبي المصري مليء بالحكم التي خرجت من رحم المعاناة والظروف اليومية، وتحولت إلى جمل خالدة تحمل في طياتها سخرية ذكية، ورسائل خفية، وتجارب واقعية، فكل مثل له قصة، وكل قصة لها بداية، ولكن النهاية دائمًا واحدة: حكمة تقال، وتكرر، وتبقى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى