بيرل هاربر.. الصاعقة التي أشعلت نيران الحرب وغيرت وجه العالم

في صباح السابع من ديسمبر عام 1941، مزقت أصوات محركات الطائرات اليابانية سكون بيرل هاربر، عندما اندفعت أسراب من القاذفات نحو القاعدة البحرية الأمريكية بالقرب من هونولولو في هاواي. عند الساعة الثامنة صباحا، تحولت السماء إلى جحيم من القنابل والنيران، حيث أغرقت القاذفات السفن، ودمرت أكثر من ثلاثمئة طائرة، وغلف دخان الموت المكان بالكامل، وأسفر الهجوم عن مقتل ما يزيد على ألفين وأربعمئة من الجنود والمدنيين الأمريكيين، وجرح قرابة ألف آخرين، في واقعة تركت بصمتها العميقة على مجرى التاريخ.
من هو بيرل هاربر
امتدت جذور هذا الهجوم لسنوات من التوتر. في ثلاثينيات القرن الماضي، وأثناء معاناة العالم من آثار الكساد الكبير، سلكت اليابان طريق الغزو لتخفيف أزماتها السكانية والاقتصادية، وبدأت حملتها باجتياح منشوريا عام 1931 متحدية موقف عصبة الأمم، ثم انسحبت من العصبة، وبدأت بتحدي النظام العالمي القائم، وفي عام 1937، اندلعت الحرب مع الصين بعد حادثة جسر ماركو بولو، لتشهد مدينة نانجينغ بعدها مجزرة دامية، استمرت ستة أسابيع، ارتكبت خلالها القوات اليابانية فظائع هزت الضمير العالمي.
قابلت الولايات المتحدة هذه التصرفات بعقوبات اقتصادية صارمة، ففرضت حظرا على تصدير النفط والطائرات والمعادن لليابان، وساندت القوات الصينية المناهضة للغزو، وفي سبتمبر 1940، انضمت اليابان إلى الميثاق الثلاثي مع ألمانيا وإيطاليا، متحدية بذلك التحالفات الغربية، على مدار أشهر، خاضت طوكيو وواشنطن مفاوضات دون جدوى، ومع توقف المساعي السلمية، قررت اليابان أن تفتح أبواب الحرب.
رأت اليابان أن المواجهة مع الولايات المتحدة أصبحت حتمية لتحقيق طموحها في الهيمنة على المحيط الهادئ، كما أدرك القادة اليابانيون صعوبة الانتصار في حرب طويلة، فاختاروا ضربة استباقية مدروسة. وضع الأدميرال ياماموتو إيسوروكو خطة محكمة تستهدف تحطيم الأسطول الأمريكي في قلبه. في مايو 1940، أصبحت بيرل هاربر مركزا أساسيا للبحرية الأمريكية، لكنها بقيت بلا دفاعات كافية، وظن الأمريكيون أنها خارج مدى الخطر الياباني بسبب بعدها الجغرافي. استغل ياماموتو هذه الثغرة ووجه ضربته المباغتة، أملا في شل القدرة الأمريكية على الرد.
في الساعات الأولى من الهجوم، بدت الكفة تميل بشكل واضح لصالح اليابان، كما دمرت أربع بوارج حربية بالكامل، وتعرضت أربع أخرى لأضرار كبيرة، وتحولت مئات الطائرات إلى حطام. فتحت هذه الضربة الطريق أمام اليابان للتمدد العسكري، فسيطرت بسرعة على بورما وماليزيا وإندونيسيا والفلبين، وحصلت على موارد طبيعية مهمة من النفط والمطاط، لكن داخل هذا النجاح العسكري السريع، بدأت تتكون بذور السقوط. تجاهلت الطائرات اليابانية مهاجمة مستودعات الوقود، ومواقع الذخيرة، ومرافق الصيانة الحيوية، كما أن حاملات الطائرات الأمريكية لم تكن في القاعدة أثناء الهجوم، ما سمح للأسطول الأمريكي بالاحتفاظ بجزء من قوته الحيوية.
أدى هذا الهجوم إلى إنهاء سياسة العزلة التي التزمت بها الولايات المتحدة، دخلت واشنطن الحرب العالمية الثانية بكل قوتها، وأصبحت جزءا فاعلا في مجريات الصراع العالمي، في يونيو 1942، شهدت معركة ميدواي تحولا كبيرا، حيث استطاع الأسطول الأمريكي تحقيق نصر حاسم قلب موازين القوى في المحيط الهادئ، وبحلول أغسطس 1945، وتحت ضغط القصف النووي على هيروشيما وناغازاكي، أعلنت اليابان استسلامها.



