كتابنا

الشياه الميتافيزيقة الكبرى

" قراءة جمالية "

 

كتب / حاتم عبدالهادي

تبدو تحولات القصيدة العربية أشبه بتعادلية كبرى ، يمتزج فيها العام بالخاص ، الجمالى بالتشكيلى ، والسياسى بالاجتماعى ، فهى تعيد تشكّيل العالم ، تتوسّله ،وتتغيّاه ، لتعيد تأطير الجمال السيمفونى الحالم للكون والحياة .

انها القصيدة الكونية ، المتربعة على عرش البهاء ، تفتح ذراعيها للجمال ، وتتخايل على الوجود ، بما تحمله من مضامينيّة ، وأطر فيزيائية تشكّل الذات ،عبر مسيرة الانسان نحو الحب والحرية والخلود .

انه الماء سرّ الوجود الباسق ، وحوله الشاعر يجلس ، يلتقط بريشة السحر آفاق التخييل ، ويرعى شياه العالم السيميولوجية ، برقّة وحنان بالغين . فأية شياه مغايرة ،تلك التى يرعاها / رفعت سلام فى ديوانه : ” أرعى الشياه على المياه ” ؟! ، أهو المسيح يخطب فى الشعب ؟ أم موسى يتوكأ عصاه ،يهش بها شياه العالم /الشعب / الانسان ؟ أم هو النبى محمد يرجو هداية البشر ،عبر نور الحقيقة ، والبرهان للكتب السماوية الرائعة ،الخالدة ،المقدسة ؟! .

انه هو ، وهو كان ، فى البدء ، الهاً ، خلق شعوباً وحياوات ، ،وخلق الانسان ،فسبحان من أبدع وصوّر ، وسبحان من منح ، وأعطى القلم الذهبى ،لمن ينقش صهد الحقيقة ، وعطر البرهان الأثير !! .

انه الشاعر الصوفى الجوّال ، يرعى الحقيقة ،والنجوم ، والكون ، خلف أحلامه الهاربة ، يرعى الظلال ، خلف غيمة النور ، وغياهب التلال فى العالم الوسيع .

نراه هناك ، يعيد رتق سلال النوربالعسجد ، ليصهر المحار والطحالب ، ويقدمها سمكة الحياة الوحيدة / السمكة الشعرية الحالمة، والوردة السافية الساجية على سجادة الحياة ، تنظر لبهاء الشمس ، وتناجى الصحراء الشاسعة ، خلف الجبال والوديان والسهول ، تبحث عن المرعى لتعيش حرة من غير قيود ،وهو أمامها الصوفىّ العابد ، الواقف على عتبة الحياة ، وبوابات الوقت، يرعى الشياه كبدوى هائم ، سادرفى محيط الكون ،يسرد لنا تفاصيل الحياة ،عبر مشاهداتية فائقة ، من فوق جبل شاهق ، أو من خلف سموق للذات مهيب ، ورائع ،ومخيف ، ومونق ، باذخ وحالم ، ممتد .

انه الشاعر الصارخ فى بريّة السكون ،والصمت ، يصنع عباءة الشعرية ،بسيموطيقاه الخاصة ، ومدلولاته الرامزة ، وأيقونته الوحيدة .

يعزف منفرداً على شبّابة الحياة ، ليعيد رتق الكون عبر الأسئلة الكبرى عن : الذات ، الله ، الكون ، المجتمع ، الحياة بكامل تفاصيلها وجلالها ، والله بسرمديته المتبدّاة عبر تفاصيل الكون .

انه الشاعر الكونى، يجرّ عربة الوجود من مشكاته الخاصة ، من غرفته ، من خلف المراعى الممتدة عبر براح العالم الفيزيائى ، الفيزيقى ، غير المحدّ ، واللامتناه ، أيضاً.

انه يكوثر الشعر لؤلؤاً ،عبر سيميائيات ،وفسيفساء ، متشظية ، يراوح بين الشعريّة الكبرى للحياة ، وانزياحاتها ،التى تراوح ، وتزاوج ، بين المتن والهامش ، عبر كتابة بصرية ، تشكيلية ، تجريدية ، وسوريالية كذلك .

انه كتاب الحياة ، شعرية الوجود ،عبر الغراب ، الذى بدأ به قصيدته ، وهو رمزية هائلة للوجود ، الذى ينعق ، فنصرخ جميعاً : يا الله . لكن الله – على حد قوله لم يعد ينظر للدعوات المتوسلة ،نظراً لكثرة الأهوال ، التى اقترفها الانسان ،تجاه ذاته ، وخالقه ، والآخرين ، يقول :

أيتُهَا اللَّحظَةُ المنتَحَلَة ،

هَل تَأَخَّرنَا طَوِيلاً، أَم هُوَ الوَقتُ؟

لاَ بَأسَ،/ وَقتُنَا / حَبلٌ / مَمدُودٌ

إِلَى نِهَايَةِ الكَونِ،

وَخَطوِي مِقصَلَة . ( الديوان ص :9 ) .

انه الشاعر الثائر ، على الشكل والمضمون ، يصنع معمارية جديدة للشعر ، لقصائده ، لديوانه ، يقدمه لنا فى شكل تشكيلى ، وتعبيرى ، وبصرى ، فلانستطيع أن نقرأ الا ونحلّل الصور الموجودة والمتناثرة ،فى جانب الصفحات : صور نساء ، حيوانات ، طيور ،زواحف ،أسماك ، أقدام ، فراشات ، صور كاريكاتيرية ، رسومات تجريدية ، الى جانب براويز يضع فيها قصائد قصيرة منفصلة ، ابيجرامات حالمة ،موتيفات عبر الكولاج ، الذى يستعيره عبر التشكيلات البصرية ،فى الصفحة ، والصفحات التى تستلب ، وتحوز ، تشاركية القارىء ،التى تغيّاها ، وأرادها ،لنتماس كجمهور شعرى ، مع هذا الشعر البصرى ، التشكيلى ، اللغوى، العابر للنوعية ، والتداخلية للفنون ، وكأنه يكتب “مابعد حداثة ” أخرى ، لشعرية جديدة ، عرفها المغاربة ،والشوام ، كتبوا من خلالها – عبر النوعية – عبر التشارك الفنى ، لانتاجية قصيدة تفاعلية ،كالتى بدأها التجديديّون فى بعض الدول العربية ، والمصريون كذلك، وعبروا بها ،من خلال التشكيل البصرى ، والجمالى ، الى أرجاء الروح ، ومقصديات الشعرية لديهم ، ولاشك أن الشاعر الأسطورة / رفعت سلام – هنا – يماهى بالتشكيل ، ليطلعنا على تشظّى الكون ،عبر الشعر ،وتشظّى القصيدة ،لنقرأ خلف ظاهرها المعنى الذى تكمله الصورة التعبيرية المتبدّاة ، وكأنه يستنطق الخيال فينا ، ذلك الذى فرّ من عقولنا ،بعد أن تحجّرت أرواحنا ،بفعل المادة ، فكأنها “شعريّة الجماد / الصامت ” ،تستنطق “الانسان الحى / الآلى ،الذى تكلّس ،وتخشّب ،وأصبح لايشعر ، بفعل فاعل ، أو بفعل الغياب ،وانزياحات العصر ،وتقنياته المتلاحقة ، وهمومه الكثيرة .

انها الشعرية الجديدة / القديمة ، الكتابة الأخرى / وان لم تكن البادئة ، اللحن الغرائبى ،عبر موسيقا اللغة ، والغناء ،عبر الصورة الناطقة ،التى تشى بمدلولات رامزة ، تتقاطع مع الخيال ، لتأخذنا الى عوالم أكثر اشراقاً ، ومتعة ، فهنا : ” العين تسمع .. والأذن ترى ” ، بما يجعلنا نستدعى ” بشار بن برد” ، حين قال :

ياقوم أذنى لبعض الحى عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحياناً

فاذا أبصر “بشار بالحب” ، فان “رفعت سلام” قد جعلنا نبصر بالتشكيل ، بالصورة الناطقة للمعنى المراد ، والمعنى الاحالى ، والمعنى الاستشرافى – اذا جاز لى هذا الاصطلاح – فهو يستشرف الخيال لدى القارىء ، يستنطقه عبر الصورة ، ويستلبه عبر المعانى الصارخة ،فى الوجود ،والكون ،والعالم . وعبر الازاحة ، والانتقالات المفارقة ،من الشكل الى المضمون ، ومن العين الى البصيرة ، يدخل الينا من باب الحياة ، من باب الانسان الفطرى : يرعى الشياه كصحراوىّ ، يقف على سهوب العالم ، ليعيد قراءة ” سفر الحياة ” ، يقول :

“أَيُّهَا الكَونُ القَاتِل، دَمِي عَلَى وَجهِكَ وَيَدَيكَ؛ أَيُّهَا العَدَمُ، أَنتَ غَرِيمِي اللَّدُودُ؛ جَسَدِي كَلاَمٌ صَامِتٌ، لاَ يَسمَعُه إِلاَي، وَمَا مِن مُجِيب؛ أَبجَدِيَّةٌ سِرِّيَّةٌ لَم يَفُض خَتمَهَا العَابِرُون، اللاَهُون؛ وَلاَ فَضَضتُهَا؛

أَنَا المرأَةُ الجَاهِلَةُ بِالأَبجَدِيَّة؛

فَمَن يَغرِس فِيَّ مَفَاتِيحَهَا، تَشبُّ أَشجَارًا مُورِقَةً، أَغصَانُهَا تُثمِرُ فَاكِهَةً زَرقَاءَ، كَأقمَارٍ مَشرُوخَةٍ، ضَوؤُهَا الكَابِي يَطرُدُ الظِّلاَلَ وَأَروَاحَ الموتَى الهَائِمَةَ، فَأَبقَى وَحدِي أَبكِي عَلَى الأَطلاَلِ الغَابِرَة ؛

هَا هِيَ المدَائِنُ تَرتَدِي الحِدَادَ، وَالعَوِيلُ غَيمَةٌ لاَ تَنقَشِعُ عَلَى مَن اخَتَطَفَهُم الحُرَّاسُ، رِجَالاً وَنِسَاءً وَأَطفَالاً، إِلَى مَا وَرَاءَ الشَّمس وَالأُفُق؛ عَلَى مَن أَخفُوهُم فِي السَّرَادِيبِ السُّفلِيَّةِ، لاَ مَاءَ لاَ طَعَام؛ أَرقَامٌ بِلاَ أَسمَاءٍ، وَأَسمَاءٌ بِلاَ وُجُوه، وَوُجُوهٌ بِلاَ مَلاَمِح أَو عُيُون؛ ثِيَابُنَا مَشقُوقَةٌ، وَعَلَى رُؤُوسِنَا الطِّين؛ حُفَاةً نَركُضُ فِي الشَّوَارِع إِلَى المعَابِدِ المهجُورَةِ، وَلاَ آلِهَة؛

أَيَّتُهَا الأَرضُ التَّائِهَة

صُقُورٌ دَامِيَةٌ حَطَّت عَلَى رُؤُوسِنَا فِي الصَّبَاحِ، تَنقُرُ العُيُونَ، تَقضُمُ الأَعضَاءَ، تَترُكُنَا خَلاَءً لِلرِّيَاحِ وَالشُّمُوسِ، فِي انتِصَافِ الزَّمَانِ.”الديوان : ص 16 :17” .

انه الشعر الكونى ، يخرج بنا من غلاف الحياة ، الى فراديس الأبدية المشتهاة .. الى الفراغ والسّدم ، الى آفاق شيفونية ، أكثر اتساعاً . فنراه – هناك – يتمنطق الجبل ، يستنطقه ، يناجيه ،وهو يرعى الشياه بجانب المياه الممتدة ، المياه السيموطيقية التى تشير الى الحياة ، الماء سر الوجود الكونى الكبير!! .

انه يغنى كأخرس للحياة البكماء ، يسير معصوب العينين فى شوارع الحياة ، يكلم الأحجار والأشجار ، ويقدم لنا قلبه : زهرة بريّة جريحة ،شوهتها آلة الحياة ،وميكانيكيتها الزاعقة ، يقول :

وَقتٌ وَبِيـل أَحمِلُه عَلَى كَاهِلِي، وَأَمضِي فِي الأَزِقَّةِ وَالشَّوَارِع، فِي المدَائِنِ، وَالقُرَى وَالنُّجُوع؛ غُنوَتِي خَرسَاءُ فِي صَدرِي، وَكَلاَمِي بِلاَ صَوتٍ، لاَ يُغَادِرُ شَفَتَيَّ، وَبَصِيرَتِي نَقرَتهَا الغِربَانُ وَالطُّيُورُ الجَارِحَة؛تَنزِفُ الرُّؤَى وَالخَيَالاَتِ الجَامِحَة وَالبِلاَدُ فِي مَأزَقٍ أَثِيم، بَعدَ أَن هَجَرَتهَا الآلِهَةُ، وَأَدَارَت ظَهرَهَا لِلدَّعوَاتِ المتَوَسِّلَة ). “الديوان : ص 8 ” .

انها قيامة الشعريّة اذن ، عبر اللغة الصادحة ، الصارخة فى بريّة العالم السيموطيقى ، الفيزيائى ، المتشظّى ، والمتّصل كمسبحة بديعة ، هارمونى سلسال ، لخالق سرمدىّ، لهيولى عظيم ، يدخل الى الروح ،ليزيل عنها قشرة الحقيقة ، حيث يطلعنا الى اليقين والبرهان ، الى الوجود بكامل تفاصيله ، عبرسرمديّة العالم الزاعقة ، يصرخ مع الغزالة فى الوديان ، ويهجّ الى شوارع الحقيقة ،عبر الوقت : الزمان/ المكان ، يطوف بنا فى أروقة الذات ،ومستنقعات الفضاء ، – عبر صوره الجمالية الباذخة ،وتشكّلات اللون الدافقة فى الصفحة البصريّة الشّاعرة ،فنراه يعبر النهار الى الروح ليشاهد الحقيقة الصافية ، الناصعة ، الشفافة ، والشفيقة/ الحالمة ، حيث الاله الخالق ، اللانهائىّ الممتد ، الشعر الذى لا يحدّ ،عبر أفضية النور ، وبهاء السرد / الشعرى / القصصى / الروائى / التشكيلى / السوريالى ،الهائم فى بريّة الوجع الشهىّ ،بقلبه الآسن ، وقلوبنا اللاهثة معه ،عبر تدوّراته ،وتنهيداته ،ووجعه الصادح، الزاعق فى أوارالروح ، وفى فضاءات الوجود الممتد .

انه كتاب الحياة ، ديوان يفتح لك حقائق الذات والوجود والعالم ،من طرق شتى لتختر أيها تسير ؟ والى أى وجهة تقصد ؟ ولأى سوف تنتسب ؟!! .

انه غزال البريّة السيموطيقىّ ، يتماس مع غزال الصحراء البرىّ ،ليحدث المعادلة الكونية الممتدة ، يتماهى مع غزالة التصوف الى رحاب صحراء البهاء ، يقول :

أَنَا الغَزَالَـةُ العَاثِـرَة.

أَتَخَبَّطُ مُتَرَنِّحَةً فِي طُوبِ العَالَم وَمَصَائِدِه المنثُورَةِ فِي الطُّرقَاتِ، المفتَرَقَاتِ، الحَارَاتِ، الأَسوَاقِ، الصَّرخَاتِ، إِلَى أَن يَلحَقَ بِي مَن يَنشِلُنِي مِن نَفسِي، فَيُرَمِّمَنِي شِلوًا شِلوًا، يَغسِلَنِي فِي أَمطَارِ الصَّيفِ، يُدَاوِي جُرحِي النَّازِفَ أَبَدًا؛ فَأَعُودَ امرَأةً مِن نِعنَاعٍ وَقَطِيفَة؛ مَن يَلحَقُ بِي، يُدرِكُنِي، قَبلَ فَوَاتِ الوَقتِ. ( الديوان ص : 17 ) .

انه الشاعر الذى يحوّل المتن الى هامش ، والهامش الى متن ، فتقرأ الديوان / النص لتشاهد الهوامش الشعرية التى هى جزء أساسى من متن القصيدة ، وكأنه يعيد صوغ العالم ،وتراتيبيته ، وتراكبه ، تقرأ الهامش الشعرى لتشعر بانتضام عقد اللؤلؤ ، والكهرمان الشاعرى لديه ، ذلك الذى يعفق زمردة الروح ، وكهرمانة القلب ،ليقدم الفستق الحلبىّ الشهىّ ، للمحبوبة / المشتهاة ،العاشقة ، المتخيّلة : للذات ، للعالم ، للاله عبر دوائر شعرية ،تتضامّ ، وتنفرج ، معاً ، لنشاهد أسطورة متفردة للعالم ، سفراً شعريا هائماً فى بحار خلود اللغة الشاهقة .

انه الشاعر الذى يستنطق الذات والجسد ، ويعبر بهما فضاءات وسماوات سادرة فى اليقين ، ويتقصّد صوفية مثيولوجية ، عبر الخطيّة والتشكيل ،المتشاكل ، المحايث ،عبر لغة تستلب الروح ،وتخشّ فى ياقوتة القلب ، وبؤبؤ الجمال ، داخل لحمة الزمرّد ، فى الروح الشفيفة ، روحه النشوانة ، المتصوفة ،التى تستدعى الحياة كخرقة صوفىّ ،عابد ، يلبس البهاء، ويتلبّس الشيطان والملاكة المباركة ، ويتماوج فى الحضرة الذاتية / الجسدية / ذواتنا ،لنعبر معه ، ونرتق الى عوالم وفضاءات تجسّد التصوّف السّوريالىّ الحداثىّ ، عبر حكّمة فيلسوف ، صوفى ، عابد ، يسرد لنا الوجود عبر الذات المتجرّدة من الحياة ،والحب ،وعبر همومه الرهيبة ، وأهوال روحه الممتدة ،الناظرة الى فضاءات ومعارج تعبرنا ، ونعبر بها الى الله / الشعر / الكون .

كما نراه يأخذنا الى معارج الأنثى / الخلق / العدم ،واليقين ،فى آن ، وهذه المابعديات ،التى تمثل “مابعديات الحداثة ” ، تجعلنا نقف بالشعريّة الى هذا الحد الهيولىّ ، لنقول : ” لو اقتربت احترقت ، ولو ذبت لاخترقت ، ولو ذقت لعرفت” .

انه شاعر الجمال ، “شاعرالمرأة ” بامتياز ، يغوص في سوسنها الآسن الشهى ،يقطف زمردها ، ويتذوق فستقها ، وعسل فراتها الشهى ، يغنى لها ، ويناجيها ، يكلمها ويناغيها ، يجثو عند ركبتيها ،ويقرأ تعاويذه ، ويغمرها بنهره الدافق ، ويظللها كغيمة ، ويهطل على زهورها اليانعة ، يقول :

أنَا الفَرِيسَةُ الخَبِيثَة. تَتَبَختَرُ مَفَاتِنِي فِي زَهوٍ تَحتَ عُيُونِ الصَّيَّادِينَ المُتَرَصِّدِين. وَحِينَ تَغُوصُ الرَّصَاصَةُ عَمِيقًا، أَمُوتُ قَلِيلاً، وَأَصحُو؛ فِي انتِظَارِ الرَّصَاصَةِ القَادِمَة.

أَنَا اللَّبُـؤَةُ العَارِمَـة

جَسَدِي ضَيِّقٌ، وَشَهَوَاتِي وَاسِعَةٌ شَاسِعَةٌ؛ قَارَّاتٌ وَبُلدَانٌ، شُعُوبٌ وَقَبَائِلُ مُدَجَّجَةٌ بِالرِّمَاحِ وَالسُّيُوفِ وَالمجَانِيقِ المتَأَهِّبَةِ؛ سَمَاءٌ مِن رَمَادٍ، وَغُيُومٌ مُعَلَّقَةٌ لاَ تَرِيمُ؛ طُيُورٌ هَارِبَةٌ، صَيحَاتٌ وَصَرخَاتٌ جَامِحَةٌ، وَصَهِيلٌ طُبُولٌ وَأَبوَاقٌ وَدُفُوفٌ، دُخَانٌ وَغُبَارٌ وَنَارٌ مُستَعِرَةٌ، حُرُوبٌ وَغَزوَاتٌ، دِمَاءٌ وَأَشلاَءٌ وَحُطَامٌ، أَنِينٌ .

انه البدوى التائه فى صحراء العالم، يبحث عن محبوبته الهاربة وسط الجبال ، ترعى معه الحب فى حظيرة النجوم ، تستلقى على عشب البهاء لتصهل بالوجع ، فينادى ، مؤكداً :

“وَحَبِيبَتِي تَرَعَى عَلَى سَفحِ الجِبَال ،

عَنزَةً ثَكلَى، تُرَاوِدُ لَهفَةَ العُشبَ الطَّرِي . ( الديوان :ص75) .

لقد اخترق – كصوفىّ جوّال – حجب العالم ، وانتهك ستور اللغة ، وأغلفة بكارة الحقيقة ،ليطلعنا الى أسطورته : أسطورة الزمان / الجسد / الذات ،عبر فضاءات الله المتبدّاة من خلل الغصون ، التى تشرق فيها شمس الله ،لتفتل الضوء/ النور/ البهاء، والسموق الروحى ، للجمال الشعرى ،الذى يجسّد جوهر اللغة الآسن ، الباسق ، الباذخ / والمثير ، والشفيف ، والشيفونىّ أيضاً .

انها نورانية ،عرفانية ، نبوءة بشر ، سفر جديد ، برهان شعرى يقدمه لنا ،عبر رعيه للشياه ، كأنه نبى يتوسلّ الهداية ، للانسانية الهائلة ، المهيبة ، والمخيفة ، والجميلة أيضاً .

انه يصنع الأسطورة ، يقدم الماهيّات ،ويبحث فى جوهر الحقيقة عن روح الصوفية العامرة : عن التجسّد فى الخالق ، التماثل الروحى ، فى النور ، عن البرهان والحقيقة :

أنا فى أنا وانى فى أنا رحيقى مختوم بمسك الحقيقة .

انها المناجاة الكبرى للذات للاله ، للعالم ، يصرخ مع ذاته / ذاتها / شعريته الهيوليّة الكبرى ، ينادى :

” كَيفَ تَرَكتِنِي عِشرِينَ ظَلاَمًا تَائِهَةً فِي بَرَارِي اللهِ، لاَ شَمسَ، لاَ نَجمَةَ القُطبِ، لاَ بِشَارَة؛ لاَ أَبجَدِيَّةَ بَينَنَا سِوَى الصَّمتِ وَالنُّفُور؛ فَمَتَى يَصِيحُ الدِّيكُ صَيحَتَه الثَّالِثَة؟ مَتَى يَستَبِينُ الأَبيَضُ مِن الأَسوَد، وَيَبُوحُ الرَّمَادِيُّ بِأَسرَارِه المَائة؟ عَلَى زِئبَقٍ شَبِقٍ أَخطُو، فَيَخطُفَنِي تِمسَاحٌ حَزِينٌ إِلَى القَاعِ، ثُم يَتركنِي لأَبنَائِه الأَربَعِين؛ يُدَاعِبُونَنِي، يَلهُونَ بِي وَقتًا مِن سَدِيمٍ حَامِضٍ، يَلذَعُ الفَمَ وَاللِّسَانَ، يَكوِي أَطرَافَ الأَصَابِع؛ اترُكُونِي، يَا سَادَتِي الأَفَاضِلُ، إِلَى رَعَايَايَ الجَائِعِين؛ فَمَا تَقُولُون لأَطفَالٍ بِذِي مَرَخٍ، زُغبِ الحَوَاصِلِ لاَ مَاءٌ وَلاَ شَجَر؟[*] امنَحُونِي سَاعَةَ سَأَمٍ أَوأَسَنٍ، لِيَأكُلُونِي قَلِيلاً، أَو كَثِيرًا؛ وَأَتلُو عَلَيهِم تَعوِيذَتِي، فَيَنَامُوا- إِلَى أَن أَعُودَ- فِي حُقُولِ الفُول

أَنَا المرأَةُ الجَفُـول،

أَنشُرُ شَهوَاتِي وَغَرَائِزِي السِّرِّيَّةَ- كُلَّ شَمسٍ- عَلَى حَبَائِلِ الفُصُول؛

وَفِي أَعضَائِي الضَّلِيلَةِ تَركُضُ الخُيُول “.

ان الديوان – للحقيقة – يحتاج منا الى مجلد كبير لنقرأه ، ونضطّلع الى خبيآته السريّة ، لنفك مغاليقه ،وشيفراته المونّقة ، البديعة ، لكننا فى هذه “القراءة الجمالية ” ،المختصرة ، نقرّ بأننا نظلمه : وهو المظلوم/ والظالم ، ظلم كثيراً ، وظلمنا عندما قرأناه ،فتضاءلنا عبر سموق حروفه، وأبياته ، وكبر فى قلوبنا ، وأرواحنا . أرهقنا حتى حدّ الارهاق ،وجاب بنا الزمان عبر المكان ، فأىّ شعريّة مثل هذا البهاء المنثور على البياض ،فى هذا الديوان ، الذى يرعى من خلاله العالم السيموطيقى ،للكون ،والحياة ؟1 .

سيظل شاعرنا الرائع / رفعت سلام “مدرسة شعريّة” – تتجدد ، وتجدّد ، وتصدّر زمرد اللغة النورانية / الصوفية الأسطورية / المثيولوجية الزاعقة ، وتشتكشف عوالم الكون ، وتصدّر الجمال الكونى ،لارهاصات الشعريّة ، “المابعد – حداثية “،عبر الشعر التشكيلىّ ، البصرىّ ، الأسطورىّ ، الصوفىّ ،اللغوىّ المهيب ، والشاهق ، والسرمدىّ ،المستلهم عظمة الكون ، وروح الاله الخالق العظيم .

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى