من شمس العرش إلى ظلال الزقاق.. حكاية شاب فاطمي أكلته السلطة

وسط أروقة القاهرة الفاطمية، قبل أن تشرق شمس صلاح الدين الأيوبي بخمسين عاما، اعتلى فتى لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره عرش الخلافة اسمه أبو علي منصور، واختار لنفسه لقبا يفيض بالعظمة، الآمر بأحكام الله بهذا التتويج، صار الخليفة العاشر للدولة الفاطمية، والإمام العشرون في سلالة الإسماعيلية المستعلية، وهو ابن الخليفة المستعلي بالله.
ورغم البريق الذي أحاط بتتويجه، ظل هذا الفتى مجرد اسم على ورق، تديره من خلف الستار يد الوزير القوي الأفضل شاهنشاه، الذي سيطر على الدولة بقبضة من حديد، وترك الآمر واجهة بلا قرار ولا نفوذ.
داخل قصور القاهرة المزخرفة، لم يتقبل الفتى وضعه كدمية في يد وزيره، نما في قلبه غضب دفين، ورفض أن يبقى سجينا في ظل رجل آخر، كما خطط في السر، وتربص بالفرصة المناسبة وفي عام 1121، وجّه ضربته الحاسمة، حين أُسقط الأفضل صريعا، وعُيّن المأمون البطائحي مكانه، لتبدأ مرحلة جديدة من حكم الآمر.
لكن ما إن ذاق طعم السلطة حتى بدت له كالسم، تغير سلوكه، وتقلب مزاجه، وراح يتعامل مع معارضيه بحد السيف، حتى أقرب الناس إليه لم يسلموا من قسوته داخل أسرته انتشرت الشكوك، وبين الناس تزايدت الهمسات، والقاهرة بأسواقها وجوامعها بدأت تضج ببوادر السخط.
في ظل هذا التوتر، خسرت الدولة الفاطمية عددا من المدن المهمة لصالح الفرنج سقطت عكا عام 1103، وتبعتها طرابلس في 1108، ثم بيروت بعد عام، فصيدا في 1110، تبنين في 1117، وأخيرا صور عام 1124 حتى الفرما، التي كانت إحدى بوابات مصر، سقطت أمام هجوم الملك الإفرنجي بردويل وسط هذه الخسائر، كان الآمر منشغلا في صراعاته الداخلية، غافلا عن تراجع نفوذ دولته.
وفي ليلة من ليالي ذي القعدة عام 524 هجريا، الموافق 7 أكتوبر 1130، خرج الآمر في موكب ملكي، يتنقل بين القاهرة والجزيرة في هودجه الفخم لكن الموكب لم يكتمل في زقاق ضيق، هاجمته جماعة ملثمة من النزارية، يحمل أفرادها سيوفا لامعة، وقلوبا تغلي بالثأر لنزار بن المستنصر، الذي انتزع المستعلي الخلافة منه انسابت الدماء، وسقط الآمر مضرجا بجراحه.
نُقل إلى القصر لكنه لفظ أنفاسه الأخيرة، بعد تسع وعشرين سنة وتسعة أشهر من الحكم الجنود لم يصلوا في الوقت المناسب، وربما تعمدوا التأخر غرقت القاهرة في فوضى، وتاهت الحقيقة بين شائعات وأصابع متهمة، هل القتلة من الحشاشين؟ أم من داخل القصر؟ أم من قادة الجيش؟ لم يخرج أحد بإجابة قاطعة.
الآمر رحل دون أن يوصي بخليفة، حيث انقسم الناس بين من بايعوا ابنه الطيب أبو القاسم، فصاروا يعرفون بالطيبية، وبين من أيدوا عبد المجيد ابن عم والده، الذي تلقب بالحافظ لدين الله، وشكلوا تيارا آخر باسم الحافظية بذلك انشقت الإمامة، وازدادت جراح الدولة الفاطمية اتساعا، حتى جاءت نهاية السلالة على يد صلاح الدين الأيوبي عام 1171، ليغلق بابا طويلا من تاريخ الخلافة الفاطمية.



