فنون و ادب

الآخرون وتساؤلات الذات الكونية لـ حسين القباحي

حاتم عبدالهادي السيد

عن سلسلة إبداعات عربية الصادرة عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة صدر ديوان : “الآخرون” للشاعر المصرى/ حسين القباحى،ويصدر القباحى ديوانه بمقطع من قصيدة ” كلام في مستهل الوجع؛ يقول :
أنا واحد .. وهو أكثرون
أنا عارف وهم يجهلون
أنا واقف .. وهم طيعون .
وتبدو صوفية اللغة المنداحة نحو الجمال الكونى مندغمة بالوجع ؛ وصادحة في برارى الصحراء والعالم . ولعل عنوان الديوان اللافت يحيلنا الى الآخرين الذين نتسائل من هم ؟ هل هم الآخر المحايث والمتشاكل والمتقاطع مع عجينة الكون والعالم؟ أم هو العدو المتربص؟ أم هو الآخر الذى يمثل الظل والصورة عبر منعطفات الحياة والكون والعالم؟.!
انه الشعر، ابن خالة القمر، وتالى النجوم، وهو الشمس التى تشرق على الروح فتحيلها الى ذوات تتشظى عبر مزهريات العالم، حيث يتهجى الشاعر مفرداته ويونق صوره وتعبيراته، ويخاتل القارى في دهشة عبر المخيال الوجودى، وعبر تداعيات مرآة الصورة التى تعكس ظلال الذات الموجوعة، والسامقة، والباذخة أيضاً .
ان الديوان يحمل أسئلة البشريّة الكبرى، ويماهى بالحداثى الى ما بعد الحداثى، وبالعام الى الخاص، ومن الذاتى الى الجمالى الى الكونى؛ حيث يحيلنا الشاعر الى اجابات عن الذات / العزلة التى تمتد في الظلال ، يقول :
وكعزلة تمتد في ذعر الظلال
الى مباهجها البعيدة؛ ثم تطيل وقفتها
تقف الحقيقة،
ثم لا تبدو لغير الراغبين
وتبدأ السير الحثيث الى بدايتها البعيدة.
انها الذات القلقة عبر مرافىء العالم، وإنهم الآخرون الذى يعبروننا من خلال الحياة؛ عبر الظل والمعنى / والصورة المغايرة التى تتشكل مع الوجود لتصنع حيوات خاصة ، وحياة للذات الشاعرة التى لا تركن الى الهدوء، بل تعيد تأسيس الواقع، وتحدثنا عن تفاصيله وتماهى القارىء عبر تشاركية آسنة، وعبر براح ممتد أثير، يقول :
فوق التربة السمراء
ترتبك الظلال
وترتب الأحجار فوضاها
تهب البيوت صفاءها للعابرين،
يمتد الصهيل ..
إذن هو الشاعر العابر / المقيم،عبر الذات يصدح ويحاول ترتيب الوجه الزاعق، حيث الغربة والمنفى والرحيل مفردات تتجلى وتتوزع عبر أروقة القصائد، وعبر لغة تشاركية طيّعة تحاول استلاب الآخر وتوجهه لوجهتها/ وجهته، موضوعيتها عبر ذاته القلقة الموزعة بين المدن والقرى والحياة .
وتبدو كونية الصورة عنده عبر المعانى التى تخش الى القلب من أقرب طريق فتحدث الوضاءة لإنبعاث النور عبر أفضية الذات الباحثة عن ملجأ ، حيث تتساقط الأفكار عبر مركزية الذات لتحل محلها فوضى الشعور، القلق، الإنزياح بالصورة عبر المخيال الظاهراتى، والخيال السوريالى الأثير، يقول :
تتساقط الأفكار
والأشجار تجرى في اتجاه مسافة للبوح
لا تأتى
ولا يكفى الرحيل الى الهباء
إذا ما العصفً جاء ..
انه شاعر العزلة، حيث الإختلاء بالذات ، الوحدة السيمولوجية عبر القلق الميتافيزيقى، حيث يخاتلنا بالمخيال اللغوى عبر الصور التجريدية ليعيد تشكيل عجينة الكون والروح، ويبحث في فيزياء الذات ليعيد رتق النجوم، ويغزل من صوف روحه عباءة للآخر، الوجودى، اللاميتافيزيقى ، وكأنه يحاول أن يطاول سماوات ممتدة، فنراه يصرح بانفراده بالعزلة ليتوضأ بالشعر ليغمرنا النور الآتى من خلف جبال الصمت لديه، يقول :
منفرداً ووحيداً في لًجّتهِ،
وخفيفاً حدّ الدهشةِ
يتلو بعض وصاياه
على المارة
والأسماء الهاربة
يعلمها أسرار توحّدهِ
والغيب..
قد يعتاد الطرق على حيرته
بنفى محتمل وربابات
ومعارج للأشواق العلوية .. والعشق
قد ينسى قدميه الذاهلتين / ورأساً فارغة
إلا من وجع أبدى
وزحام .
انه قلق، حذر من الآخر / الآخرون الذين يمثلون الصورة وتداعياتها، القناع/ الظل / اليقين والبرهان الكونى الزاعق في ربى الصمت، وعبر برارى الوحدة والفقد والوجع، ينزف من أجل الآخرين، لكنه يهرب منهم الى أفق الذات بحثاً عن مدينة الذات الفاضلة، والبراح الكونى الأثير ، يقول :
والآخرون
-كما عهدناهم معاً –
يتتبعون نهارنا
وحيث شاء
يربط بيتهم أو يصغى
الى الجدران حين تردهم.
إن شاعرنا الكبير / حسين القباحي؛ هو الشاعر السوريالى الصوفيّ ؛ الذى يجرد المعنى لتصفو الذات وتتعالق الذهنية عبر نزف الروح والحيرة والتساؤلات ، فهم الآخرون الذين لا يتركون الناس في حالهم، بل يبحثون ويسألون، لتظل دائرة الحيرة والتساؤلات ممتدة عبر الكون والعالم والحياة.

يظل الشاعر الجنوبى / حسين القباحى عاشقًا،ملتاثاً ، دَهِشاً ، قلقاً ، رائعًا، يبحث عبر عربة الذات، وغربة العالم عن معنى وحيد لليقين والبرهان، للوصول الى المشتهى الروحى عبر بوابات الشعر التى تمثل جسر النور الى مدينة الذات الفاضلة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى