فتح عمورية حين ردت الدولة على صرخة كرامة

في قلب الأناضول، حيث تمتد الهضاب الخضراء تحت شمس الصيف اللاهبة، قامت عمورية، المدينة التي مثلت يوما أحد أعمدة القوة البيزنطية، والحصن الذي اعتبره الروم درة دفاعهم، ومسقط رأس الإمبراطور توفيل. لم تكن عمورية مدينة عادية، بل رمزا سياسيا وعسكريا، وسقوطها كان يعني ما هو أبعد من نصر عسكري عابر.
تاريخ فتح عمورية
في سنة 223 هجرية، وصل رجل عربي إلى مجلس الخليفة العباسي المعتصم بالله في بغداد، يحمل رواية هزت أركان القصر قبل أن تهز الجيوش. قص الرجل ما جرى في ثغور المسلمين، حين أغار الروم على زبطرة وملطية، وأسروا نساء ورجالا، وكان بين الأسرى امرأة مسلمة ذات نسب وشرف. لطمها أحد جنود الروم على وجهها، وحين استغاثت باسم الخليفة، قابل صرختها بالسخرية والإذلال، مستهزئا بقوة الدولة وهيبتها.
لم تكن القصة مجرد خبر، بل كانت شرارة. اشتعل غضب المعتصم، وسأل عن موضع عمورية، فلما أشاروا إلى جهة الشمال الغربي، توجه ببصره نحوها، وأعلن أن صرخة المظلومة لن تذهب سدى، وأن الدولة التي تهان امرأة من رعاياها لا بد أن ترد.
لم يتأخر القرار. وبعد أن فرغ المعتصم من القضاء على فتنة بابك الخرمي، بدأ الإعداد لحملة لم يشهد لها الزمان مثيلا. جيش عظيم، قوامه عشرات الآلاف، تتقدمه فرق من الفرسان على خيول أبلق، في مشهد حمل رمزية الوعد والرد. جهزت المجانيق الضخمة، والدبابات، والنفط، وكل أدوات الحصار التي تجعل الحصون تتهاوى مهما بلغت منعة أسوارها.
عند سروج، قسّم المعتصم جيشه، فأرسل الأفشين حيدر بن كاوس في قوة ضاربة نحو أنقرة، بينما قاد هو القلب الرئيسي للحملة. وفي دازيمون، التقى الأفشين بجيش الإمبراطور توفيل، فكانت هزيمة قاسية كسرت ظهر الجيش البيزنطي، وفر الإمبراطور تاركا الطريق مفتوحا أمام المسلمين.
دخل المعتصم أنقرة فوجدها خالية، فاتخذ من مخازنها مؤونة لجيشه، ثم واصل الزحف حتى بلغ عمورية في السادس من رمضان. ضرب حصارا محكما، في وقت كان فيه توفيل منشغلا باضطرابات داخلية. حاول الإمبراطور إنقاذ مدينته بالرسائل والاعتذارات والعروض، متعهدا بإطلاق الأسرى وإعادة إعمار ما دمر، لكن المعتصم رفض، مؤكدا أن ما بعد الإهانة ليس كمن قبلها.
استمر الحصار أياما ثقيلة. وكان المنجمون يروجون أن المدينة لا تفتح إلا في موسم التين والعنب. وفي إحدى الليالي، وبينما كان الخليفة يتفقد المعسكر متخفيا، سمع غلاما حدادا يتهكم على قدرة الجيش. لم يغضب المعتصم، بل استدعاه في الصباح، وجعله في مقدمة الصفوف، ليشهد بعينيه ما ستؤول إليه الأمور.
وجاء التحول الحاسم حين دل رجل من أهل المدينة، كان قد أكره على التنصر ثم عاد إلى الإسلام، على نقطة ضعف في السور، موضع أعيد بناؤه بعد سيل قديم دون أساس متين. ركز المعتصم نيران المجانيق على ذلك الموضع، وتوالى القصف بلا توقف، رغم محاولات الروم ترقيع الثغرة بالأخشاب والبرادع. وفي السابع عشر من رمضان، انهار السور، واندفع المسلمون مكبرين، لتدخل عمورية تحت وقع صيحات النصر.
دخل المعتصم المدينة فاتحا، ولم ينس سبب حملته. استدعى الرجل الذي قص عليه حكاية المرأة، وسار معه حتى وصل إلى مكانها، فأخرجها من الأسر، وأعاد لها حريتها وكرامتها. ثم أمر بإحضار من اعتدى عليها وسيده، فجعلهم في خدمتها، ووهبها أموالهم، ليكون العدل رديفا للقوة.
أسر حاكم عمورية، وسيق ذليلا، بينما عاش توفيل صدمة سقوط مدينته حتى أنه لم يلبث بعدها إلا سنوات قليلة، مات فيها مريضا مكسور النفس. فكر المعتصم في مواصلة الزحف نحو القسطنطينية، لكن مؤامرة داخلية اضطرته للعودة. حمل الغنائم، وأحرق ما تبقى من المدينة لئلا ينتفع به الروم، وعادت الجيوش وقد سجلت نصرا خالدا.



