تاريخ ومزارات

كيف احتفل المصريين القدماء بعيد رأس السنة؟

كثرت أعياد المصريين القدماء وتنوعت بين أعياد رسمية ارتبطت بالمعبد والطقوس المقدسة، وأخرى شعبية عاشها الناس في الشوارع والحقول وعلى ضفاف النيل، وكانت هذه الأعياد إما عامة تشمل القطر كله، أو محلية يحتفل بها كل إقليم بطريقته الخاصة، وقد حرص المصري القديم على إحياء هذه المناسبات بتزيين المعابد وإضاءتها، وترتيل الأناشيد، وتقديم القرابين والأضحيات، لأن الأعياد في وجدانهم ارتبطت ارتباطا وثيقا بالعقيدة وبعلاقتهم بالآلهة وبالنظام الكوني الذي آمنوا به.

كيف احتفل المصريين القدماء بعيد رأس السنة؟

أما عيد رأس السنة فقد احتل مكانة خاصة ومتميزة، وكان له طابع فريد يختلف عن بقية الأعياد، ومن خلال ما وصل إلينا من نصوص ومناظر لا تزال باقية على جدران المعابد والمقابر، نستطيع أن نلمس تفاصيل هذا الاحتفال وأهميته، فقد أطلق المصريون القدماء على عيد رأس السنة اسم وبت رنبت نفرت، أي عيد افتتاح السنة الجميلة، وكان الاحتفال يبدأ مع شروق شمس يوم الحادي عشر من سبتمبر، وهو أول أيام شهر توت، الشهر الرابع من موسم الفيضان، إذ ارتبطت السنة عندهم بفيضان النيل، ذلك الحدث السنوي الذي لاحظوا تكراره وانتظامه بدقة لافتة.

وربط المصري القديم بين هذا اليوم وبين ظهور نجمة الشعرى اليمانية في الأفق مع شروق الشمس، واعتقد أن هذا الظهور إيذان ببداية عام جديد مليء بالحياة، كما تصور أن فيضان النيل ما هو إلا دموع المعبودة إيزيس التي لم تتوقف عن البكاء على زوجها أوزوريس بعد أن قتله أخوه ست، وهكذا امتزجت الأسطورة بالطبيعة، وتحول الفيضان إلى رمز للحزن والبعث والحياة في آن واحد.

وفي هذه المناسبة، أبدع المصريون القدماء في صناعة الكعك، فصنعوه في أشكال هندسية متعددة، كما شكلوه على هيئة حيوانات وزهور، وحشوه بالتمر المجفف، ثم رصوه بعناية على ألواح من الأردواز، ذلك الصخر الذي سهل تقطيعه إلى ألواح ملساء، قبل أن يخبزوه ويقدموه ضمن طقوس العيد، وكان للكعك مكانة خاصة في احتفالاتهم، سواء داخل المعابد أو في البيوت أو أثناء الزيارات الجنائزية.

وكانت السنة عند المصريين القدماء، كما نعرفها اليوم، اثني عشر شهرا، في كل شهر ثلاثون يوما، أما الأيام الخمسة المتبقية فقد اعتبروها أياما منسية، حتى أنهم لم يدرجوها ضمن حساب الزمن العادي، ومع ذلك خصصوا هذه الأيام الخمسة للاحتفال بعيد رأس السنة، فاستمر العيد طوالها، وقضوها في أفراح ممتدة خارج البيوت، بعيدا عن قيود العمل وأعباء الحياة اليومية.

وكانت الاحتفالات تبدأ من المعبد، حيث يتوجه الناس إلى المقصورة العلوية أعلى سطح المعبد، حاملين معهم الخبز والكعك والفطائر والنبيذ، ثم يخرجون بعد ذلك إلى الحقول وعلى شاطئ النيل، يستمتعون بالزروع الخضراء والورود والرياحين والهواء النقي والجو الهادئ الجميل، تاركين خلفهم متاعب الدنيا وهمومها التي لازمتهم طوال العام، وكانت موائدهم في عيد رأس السنة عامرة بالبط والأوز والأسماك، في مشهد يعكس وفرة الخير وبهجة البداية الجديدة.

أما المشروبات، فقد كان النبيذ الطازج في مقدمتها، إذ تزامنت احتفالات عصر العنب مع أعياد رأس السنة، وحرص المصريون القدماء على تبادل قارورات المياه المستديرة، التي رمزت لديهم إلى المياه باعتبارها أصل الحياة، وجسدوا هذه القوارير في صورة المعبودة نوت ربة السماء، تعبيرا عن إيمانهم العميق بوجود رابط دائم بين الماء والحياة وبداية العام الجديد.

ومن أجمل العادات التي ميزت أعيادهم، وبخاصة عيد رأس السنة، تلك الروح الإنسانية الرفيعة التي جعلت المتخاصمين يتسابقون نحو بعضهم البعض، وقد نزعوا من قلوبهم العداوة والبغضاء، ونسوا خلال الأيام الخمسة المنسية خلافاتهم وضغائنهم ومنازعاتهم التي ربما امتدت طوال العام، وكأن العيد فرصة للتطهر النفسي وبداية صفحة جديدة.

ورغم أن عيد رأس السنة اتخذ طابعا دنيويا شعبيا ارتبط بالأفراح والزينة والمباهج، ولم يتشابه كثيرا مع الأعياد الدينية الصارمة، فإن المصري القديم لم ينس آخرته، فبعد انتهاء الاحتفالات والخروج من المعبد، توجه الناس معا إلى المقابر، حاملين سلال الرحمة المملوءة بالطعام والكعك، تعبيرا عن إحياء ذكرى موتاهم وربط عالم الأحياء بعالم الخلود.

وكان النوع المخصص من الكعك لزيارة المقابر يشكل على هيئة تميمة ست، أو ما يعرف بعقدة إيزيس، وهي من التمائم التي اعتقدوا أنها تفتح للميت أبواب النعيم في العالم الآخر، وهكذا ظل لكل عيد من أعياد المصريين القدماء رابط خفي يشدهم إلى الآخرة، ويؤكد أن الحياة عندهم لم تنفصل يوما عن فكرة الخلود، وكل عام وأنتم بخير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى