تاريخ ومزارات

حجر رشيد: اكتشاف مفتاح الحضارة المصرية

في صيف عام 1799، تحت شمس رشيد الحارقة، حيث كانت رمال الزمن تكتنف أسرار الحضارة المصرية القديمة، وقع جندي فرنسي يدعى بيير فرانسوا بوشار على اكتشاف لم يكن يتوقعه، وكان بوشار يؤدي أعمالًا هندسية روتينية حين اصطدم معوله بحجر أسود من البازلت، كان مدفونًا تحت أنقاض قلعة قايتباي، لم يكن يعلم أن هذا الحجر، الذي سيسمى فيما بعد بـ حجر رشيد، سيحمل مفتاحًا لفتح بوابة التاريخ ويكشف عن لغة قديمة ظل العالم جاهلًا بها لقرون طويلة.

قصة حجر رشيد

حجر رشيد، الذي بلغ طوله 115 سم وعرضه 73 سم، كان بمثابة شاهد على عصر مضى، نحت من الجرانوديوريت، وعليه مرسوم ملكي صادر في ممفيس عام 196 قبل الميلاد، بأمر من الملك الشاب بطليموس الخامس. زين سطح الحجر بثلاث لغات: الهيروغليفية في الأعلى، تليها الديموطيقية في المنتصف، ثم اليونانية القديمة في الأسفل. رغم أن كل نص يروي نفس القصة، إلا أن كل لغة كتبت بتفاصيلها الخاصة، كأن الحجر نفسه كان يتحدث إلى شعوب مختلفة عبر العصور.

نشأت قصة الحجر وسط الاضطرابات التي عصفت بمصر في العهد البطلمي. بعد وفاة بطليموس الرابع في عام 204 قبل الميلاد، اندلعت ثورات في الدلتا وحدثت فتن داخلية. تولى ابنه، بطليموس الخامس، الحكم وهو في سن الثالثة عشرة، وبحكمة تجاوزت سنه، استطاع القضاء على الثورات، وعفى عن المتمردين، وألغى الضرائب، وأعاد امتيازات الكهنة التي سلبها والده، وفي لحظة شكر وامتنان، قرر الكهنة تخليد أعمال الملك الشاب على الحجر، في احتفال كبير، وعلى الرغم من أن نسخًا عديدة من هذا الحجر قد نحتت في الماضي، إلا أن الزمن قد ابتلعها جميعًا، ليبقى حجر رشيد وحيدًا، حاملًا في طياته سرًا عميقًا عن لغة نسيها العالم.

ظل الحجر لغزًا محيرًا لعدة عقود. العلماء من جميع أنحاء العالم وقفوا أمام نقوشه عاجزين عن فك رموزه، حتى جاء عام 1826 في باريس، داخل أروقة متحف اللوفر، كان العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون يقف في معركة فكرية مع النقوش الغامضة، بعد ليالٍ طويلة من التأمل في الخراطيس – تلك الأشكال البيضاوية التي تحيط بأسماء الملوك – لاحظ شامبليون تكرار أسماء مثل بطليموس وكليوباترا في النص اليوناني، وقارنها بالنقوش الهيروغليفية في تلك اللحظة، انكسر قيد اللغة المصرية القديمة، وعاد صوت الحضارة الأولى ليصير مسموعًا من جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى