تاريخ ومزارات

بطل منسي أنقذ الحرم النبوي.. حسام الدين لؤلؤ ومغامرة أرناط في البحر الأحمر

في أرض الشام، داخل قلعة الكرك الحصينة التي تشرف على واد سحيق في الأردن، جلس رينو دي شاتيون، الذي عرفه العرب باسم أرناط، وكان أرناط من أكثر فرسان الفرنجة قسوة وغدرا، حتى إن كثيرا من مؤرخي الغرب ذموه بسبب جرائمه ونقضه للعهود، لم يعرف للحرب شرفا، بل حمل في قلبه حقدا أعمى على المسلمين، ودفعه ذلك إلى حلم شيطاني تمثل في الوصول إلى مكة والمدينة، وتمادى في جرأته حتى أقسم أن ينبش قبر النبي صلى الله عليه وسلم بيده.

من هو حسام الدين لؤلؤ

بدأت مغامرته حين أمر بقطع أشجار الكرك ونخيل العريش، ونقل الأخشاب إلى قلعته، حيث كلف الرهبان بصناعة سفن حربية كاملة، وبعد الانتهاء منها، فكك السفن وحملها على ظهور الجمال، وسار بها عبر الصحراء القاحلة حتى وصل إلى شاطئ البحر الأحمر هناك أعاد تركيبها، وغطاها بالقار الأسود، وجهزها بالرجال والسلاح، وأظهرها في صورة قافلة تجارية لا تثير الشك، وكان البحر الأحمر آنذاك آمنا للمسلمين، بعيدا عن أطماع الصليبيين، حتى كسر أرناط هذا الأمان.

انطلق الأسطول الصليبي يهاجم القرى والسفن المسلمة، يقتل وينهب ويأسر بلا رحمة، ثم اتجه شمالا نحو الحجاز، واضعا المدينة المنورة هدفا مباشرا، انتشر الخبر سريعا، ووصل إلى صلاح الدين الأيوبي فهزه هزا عنيفا، إذ بات قبر النبي في خطر حقيقي.

لم يتردد صلاح الدين، فأرسل أوامره العاجلة إلى أخيه الملك العادل في مصر بتجهيز أسطول قوي في البحر الأحمر، واختار لقيادته رجلا عرف بالشجاعة والدهاء، الأمير حسام الدين لؤلؤ.

هنا بدأت ملحمة البطل المنسي، أشرف حسام الدين لؤلؤ بنفسه على تفكيك السفن في الإسكندرية، ثم نقلها على الجمال عبر الصحراء، مكررا ما فعله العدو، لكن هذه المرة بإيمان راسخ وعزيمة لا تلين، أعاد تركيب السفن على شاطئ البحر الأحمر، وجهزها برجال عرفوا بالقوة والصدق والاستعداد للتضحية.

قسم لؤلؤ الأسطول إلى فرقتين، وبدأ المطاردة الحاسمة واجه الصليبيين في أكثر من موقع، وانتصر عليهم تباعا، وحرر الأسرى المسلمين، واستعاد الغنائم نزل برجاله على سواحل الحجاز، وواصل المطاردة ليلا ونهارا، دون راحة أو تراجع.

بعد خمسة أيام من المطاردة الشرسة، أدرك فلول الصليبيين في موضع يسمى رابغ، ولم تفصلهم عن المدينة المنورة سوى ليلة واحدة، انهارت قواهم، واستسلموا، فأسرهم لؤلؤ وقيدهم، ثم عاد بهم إلى مصر.

دخل حسام الدين لؤلؤ القاهرة منتصرا، واستقبله الناس بالتكبير والفرح، فقد أنقذ الحرم النبوي من أخطر تهديد عرفه في تلك المرحلة، أمر صلاح الدين بإعدام الأسرى علنا ليكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه الاعتداء على مقدسات المسلمين، ونفذ الحكم في شوارع القاهرة.

أما أرناط، فقد عاد إلى حصن الكرك، وظن أن نجاته مؤقتة قدر له، لكن نهايته اقتربت، ففي معركة حطين الشهيرة، وقع في يد صلاح الدين، فاقتص منه بيده، جزاء غدره وعدوانه.

توفي البطل حسام الدين لؤلؤ رحمه الله في أواخر القرن السادس الهجري، وترك سيرة مليئة بالشجاعة والجهاد والوفاء، ذكره الإمام ابن كثير فقال إن البحر شهد له بالشجاعة، فكم من فارس أسره، وكم من مركب كسره، وكم من أسطول شتت جمعه، وكان معروفا بكثرة الصدقات، حتى إنه في زمن غلاء شديد بمصر أطعم اثني عشر ألف رغيف لاثني عشر ألف نفس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى