تاريخ ومزارات

علي مبارك باشا: أبو التعليم الحديث في مصر ورفيق النهضة من قلب الجيزة

أسماء صبحي – لم يكن علي مبارك باشا مجرد موظف حكومي أو مهندس مدني. بل كان رائدًا في تحديث مصر خلال القرن التاسع عشر خاصة في مجال التعليم والتخطيط العمراني. ولد علي مبارك باشا عام 1823 في قرية برنبال التابعة لمحافظة الدقهلية. لكنه عاش جزءًا كبيرًا من حياته العملية في محافظة الجيزة تحديدًا في منطقة بولاق الدكرور. حيث أدار شؤون التعليم وأسهم في إصلاحات علمية ومعمارية تركت أثرًا واضحًا حتى اليوم.

ويعرف علي مبارك بلقب “أبو التعليم”، وهو من أوائل المصريين الذين تلقوا تعليمهم في بعثات خارجية. ثم عاد لينقل لمصر ثمار هذه التجربة عبر تطوير المناهج، تأسيس المدارس. وإدخال مفاهيم الحداثة في الإدارة والتعليم والبنية التحتية.

بداية على مبارك باشا العلمية

ولد علي لأسرة ريفية بسيطة، وكان والده عسكريًا في الجيش المصري. وبدأ حياته العلمية في الكتّاب ثم التحق بمدرسة المبتديان العسكرية ومنها إلى مدرسة المهندسخانة التي كانت تقع في بولاق (في محافظة الجيزة الحالية). وأظهر نبوغًا لافتًا دفع الإدارة لإلحاقه بالبعثة العلمية إلى فرنسا عام 1844 حيث درس الهندسة العسكرية والعلوم الحديثة.

بعد عودته، عين في مناصب تعليمية وفنية وتمكن من التدرج حتى أصبح ناظرًا (وزيرًا) للمعارف في عهد الخديوي إسماعيل. وهو المنصب الذي مكنه من تنفيذ رؤية شاملة لإصلاح التعليم والبنية التحتية في مصر.

إسهاماته في التعليم

يعد علي مبارك من أوائل من أدركوا أهمية التعليم كأساس لنهضة الأمم. فقد أسس نظام التعليم الحديث في مصر، وربط بين التعليم والحياة العملية، مخالفًا للنمط التقليدي السائد. وأنشأ المدارس الابتدائية والثانوية والفنية ووسع مناهجها لتشمل العلوم واللغات.

كما وضع أول قانون للتعليم في مصر عام 1868، وكان يؤمن بأن التعليم يجب أن يكون مجانياً ومتاحًا لكل الفئات.

ويقول الدكتور محمد عفيفي، أستاذ التاريخ الحديث بكلية الآداب جامعة القاهرة، إن علي مبارك باشا كان ينظر إلى التعليم كحق وطني لا كامتياز طبقي. وقد سبق عصره بعقود في هذه الرؤية. كما إن معظم النظم التعليمية التي نراها الآن وُضعت جذورها في زمن علي مبارك.

جهوده العمرانية في الجيزة والقاهرة

لم تقتصر إنجازاته على التعليم فقط، بل ساهم علي مبارك بشكل كبير في تطوير التخطيط العمراني، خصوصًا في القاهرة والجيزة. فهو الذي وضع أول خطة لتحديث شوارع العاصمة مستوحاة من تنظيم المدن الأوروبية خصوصًا باريس. وقد شملت هذه الخطة:

  • توسيع شوارع الجيزة وتمهيدها خاصة مناطق بولاق والدقي.
  • تنظيم الأحياء وربطها بطرق مستقيمة لتسهيل التنقل.
  • تنفيذ مشاريع صرف صحي حديثة.

ويعد علي مبارك أول من كتب خرائط دقيقة للمدن المصرية. وكان يستخدم أدوات علمية دقيقة لم تكن معروفة في مصر من قبل.

كتاب “الخطط التوفيقية”

من أبرز إنجازاته الفكرية تأليفه موسوعة “الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة”. والتي تقع في عشرين جزءًا رصد فيها جغرافية وتاريخ أكثر من 1800 قرية ومدينة مصرية. بما في ذلك مناطق الجيزة المختلفة مثل بولاق، إمبابة، والهرم.

ويعتبر هذا العمل بمثابة سجل حضاري واجتماعي وثقافي لمصر القرن التاسع عشر. وقد استعان به المؤرخون فيما بعد كمصدر رئيسي لدراسة التحولات العمرانية والاجتماعية في مصر الحديثة.

علاقته بالجيزة

على الرغم من أن علي مبارك لم يولد في الجيزة. إلا أن وجوده في بولاق والجيزة أثناء إشرافه على المدارس والمهندسخانة ربطه بهذه المحافظة بشكل وثيق. وقد أشرف على تخطيط الطرق بين الجيزة والجيزة البحرية وتطوير البنية التعليمية في هذه المنطقة.

كما يعتقد أن منزله في منطقة بولاق الدكرور كان من أول المنازل التي تم ربطها بشبكة المياه والصرف الصحي الحديثة التي كان يشرف على إنشائها بنفسه.

وفاة علي مبارك باشا

توفي علي مبارك باشا عام 1893، بعد رحلة طويلة من العطاء الفكري والإداري والتعليمي. وقد دفن في القاهرة، وكرمه المصريون بإطلاق اسمه على عدد من المدارس والشوارع أبرزها شارع علي مبارك في وسط القاهرة. إلى جانب تمثال نصب له أمام وزارة التعليم في الجيزة.

في عام 2020، أعلنت وزارة الثقافة المصرية عن إعادة طباعة مؤلفاته ضمن مشروع “ذاكرة مصر المعاصرة” تكريمًا لهذا المفكر الكبير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى