المزيد

محمد كٌريم واكتشاف الغزو الفرنسي على سواحل الإسكندرية

في صباح يوم الأحد العاشر من محرم، وصلت رسائل عاجلة من ميناء الإسكندرية تحمل أنباء تثير القلق، ففي يوم الخميس الثامن من نفس الشهر، ظهرت عشر سفن تابعة للأسطول الإنجليزي في مرمى بصر سكان الثغر، أعقبتها خمس عشرة سفينة إضافية، اقترب قارب صغير من الشاطئ، يقل عشرة رجال، التقوا بكبار رجال المدينة وعلى رأسهم السيد محمد كريم، حاكم الثغر.

محمد كٌريم واكتشاف الغزو الفرنسي

أخبر الوفد الإنجليزي أن هدفهم هو التفتيش عن الأسطول الفرنسي الذي غادر مؤخرًا إلى جهة غير معلومة، محذرين من نية الفرنسيين شن هجوم على الشواطئ المصرية، لكن محمد كريم لم يصدق روايتهم، واعتبرها حيلة هدفها بث الفتنة، فرد عليهم بحزم وغلظة، طلب الوفد ماء وزادًا مقابل ثمنه، لكنهم لم يلقوا سوى الرفض القاطع، فانسحبوا وغادروا الثغر، باحثين عن المؤن في مكان آخر.

سارع أهل الثغر بإرسال رسائل إلى كاشف البحيرة لحشد القبائل العربية وتأمين المدينة من أي خطر، وما إن وصلت هذه الأخبار إلى القاهرة، حتى سادت موجة من الترقب والخوف، وانتشرت الإشاعات في كل مكان، وبعد ثلاثة أيام، وردت أنباء بعودة السفن الإنجليزية من جديد، فهدأ الناس قليلًا، بينما ظل الأمراء في حالة من اللامبالاة، واثقين من قدرتهم على ردع أي تهديد، ومبالغين في تعظيم قوة خيولهم أمام أي غزو محتمل.

وفي يوم الأربعاء العشرين من محرم، وصلت أنباء متفرقة من الإسكندرية ورشيد ودمنهور، تؤكد ظهور عدد كبير من السفن الفرنسية التي رست في عرض البحر منذ يوم الإثنين الثامن عشر من الشهر، أرسل الفرنسيون وفدًا للقاء القنصل وبعض وجهاء المدينة، لكن السكان احتجزوهم ومنعوهم من التقدم في جنح الليل، تحركت السفن إلى منطقة العجمي، وبدأ الجنود الفرنسيون في النزول إلى البر مدججين بالسلاح والعتاد.

مع طلوع النهار، فوجئ سكان الثغر بالفرنسيين يملؤون الشوارع كأنهم أسراب الجراد، خرج السكان بمساعدة القبائل وكاشف البحيرة للتصدي لهم، لكن المواجهة لم تطل، فقد تراجعوا سريعًا أمام تفوق الفرنسيين، احتمى الأهالي بمنازلهم، واستخدموا ما توفر من سلاح وبارود في مقاومتهم، لكن كثافة الهجوم ونقص الذخيرة أضعفهم لم يجدوا مفرًا من طلب الأمان، فقبل الفرنسيون بذلك، ورفعوا أعلامهم فوق الثغر، وأمروا الأهالي بتسليم السلاح، وفرضوا وضع شارة ملونة على الصدر أطلقوا عليها اسم الجوكار.

حين وصلت أخبار السقوط إلى القاهرة، تفشى الذعر بين السكان، وبدأ التفكير في الهروب، حيث اجتمع الأمراء والعلماء في قصر العيني وقرروا مخاطبة الدولة العثمانية لإرسال الدعم، وجهز مراد بك جيشًا للقتال، وخرج الجيش بعد صلاة الجمعة، كما أصدر أوامر بتركيب سلسلة حديدية ضخمة على النيل لمنع عبور السفن الفرنسية.

في المقابل، لم ينتظر الفرنسيون كثيرًا، وبعد أن أحكموا سيطرتهم على الإسكندرية، زحفوا برًا دون أن يجدوا من يوقفهم، و دب الرعب في القاهرة، أُغلقت الأسواق، وبدأت أعمال النهب والسرقة، أمر الوالي بإضاءة الشوارع ليلًا لمحاولة تهدئة النفوس ومواجهة التسلل والخطر.

وصلت أنباء في يوم الإثنين تفيد بوصول الفرنسيين إلى دمنهور ورشيد، انقسم السكان بين من فر إلى مناطق بعيدة، ومن قرر الاستسلام، وزع الفرنسيون منشورًا على الأهالي يزعمون فيه أنهم جاؤوا لتحريرهم من ظلم المماليك، مؤكدين احترامهم للإسلام والسلطان العثماني، ووعدوا بتحقيق العدل والمساواة بين الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى