قبيلة بني حسان.. نفوذ عربي ممتد عبر صحراء المغرب العربي
أسماء صبحي – تعد قبيلة بني حسان واحدة من أبرز القبائل العربية التي لعبت دورًا محوريًا في تشكيل الهوية الثقافية والاجتماعية لعدد من مناطق المغرب العربي. خاصة موريتانيا والصحراء الغربية وأجزاء من المغرب والجزائر. ورغم جذورها العميقة الممتدة من الجزيرة العربية حتى قلب الصحراء الكبرى فإن تأثير هذه القبيلة ما يزال حاضرًا بقوة في المشهد الاجتماعي والسياسي حتى اليوم.
الهجرة وتشكل الهوية
ترجع أصول بني حسان إلى سلالة عربية جاءت ضمن موجات الهجرة الكبرى التي انتقلت من اليمن وشبه الجزيرة العربية إلى شمال أفريقيا خلال القرون الوسطى. وانتشرت فروع القبيلة تدريجيًا عبر مناطق واسعة من الصحراء المغربية واستقرت في تجمعات قبلية اتسمت بالتماسك والمحافظة على الطابع البدوي.
هذه الهجرات أسهمت في تعزيز الوجود العربي في الصحراء. وجعلت القبيلة جزءًا من تحولات تاريخية كبيرة أثّرت في طبيعة السكان وتركيبتهم الثقافية. ومع الزمن، أصبحت بني حسان رمزًا للنفوذ العربي الصحراوي. خاصة بعد بروزها كقبيلة محاربة تمتلك نفوذًا سياسيًا واجتماعيًا قويًا.
انتشار قبيلة بني حسان
تنتشر بطون بني حسان اليوم على مساحة تمتد من جنوب المغرب إلى موريتانيا، مرورًا بالصحراء الغربية ووصولًا إلى أجزاء من الجزائر. وهذا الانتشار الواسع منح القبيلة قدرة على التأثير في مجريات الأحداث عبر عدة مناطق. كما أسهم في خلق روابط اجتماعية تمتد عبر حدود دولية مختلفة.
وتعد اللغة الحسانية، المرتبطة بالقبيلة، إحدى أبرز علامات حضورها الثقافي. فهي لهجة عربية صحراوية متأثرة بالعربية الفصحى. لكنها تحمل في الوقت نفسه بصمات بيئية وثقافية اكتسبتها من الاحتكاك الطويل بالشعوب الأمازيغية والساحل الصحراوي.
البنية الاجتماعية والطبقية
تميزت قبيلة بني حسان ببنية اجتماعية متدرجة كانت لها تأثيرات عميقة في المجتمع الموريتاني والصحراوي عبر التاريخ. فقد سيطرت طبقة المحاربين أو “الحسانية” على مراكز القيادة والحكم. بينما ترتبت خلفها طبقات أخرى مثل القبائل الزاوية العلمية والقبائل الزراعية والمجموعات التي تعرضت لأوضاع اجتماعية أدنى.
ويصف باحثون البنية الاجتماعية للقبيلة بأنها نموذج كلاسيكي للمجتمعات البدوية ذات الطابع الحربي. حيث لعب السلاح ودعم الحلفاء والتنافس على النفوذ أدوارًا بارزة في خلق تركيبة اجتماعية متفاعلة ومؤثرة.
التمازج مع الأمازيغ والأندلسيين
على الرغم من جذورها العربية الصرفة، فإن بني حسان لم تكن بمعزل عن المجتمعات التي احتكت بها. فقد شهدت مناطق شمال المغرب والصحراء تزاوجًا ثقافيًا بين العرب والأمازيغ والأندلسيين..وهو ما انعكس في العادات والتقاليد والأمثال الشعبية وحتى في النظام الاجتماعي.
هذا التداخل العرقي والثقافي منح القبيلة هوية مركبة، جعلتها جزءًا أصيلًا من المشهد المغربي والموريتاني. وفي الوقت ذاته حافظت على خصوصيتها البدوية وتراثها العربي الذي لا يزال حاضرًا في الشعر الحساني والتراث الشفوي والموسيقى الصحراوية.
الحسانية تراث لغوي حي
تعتبر اللغة الحسانية إحدى أهم الركائز التي حافظت على صلة القبيلة بجذورها العربية. فاللغة، التي يتحدث بها ملايين في موريتانيا والصحراء الغربية، تعد اليوم سجلًا حيًا للتراث الشفهي والأدبي لقبائل المنطقة. وتتميز الحسانية بمفردات عربية فصيحة، بالإضافة إلى تأثيرات أمازيغية واضحة نتيجة الاحتكاك التاريخي بالسكان المحليين.
وتعد هذه اللهجة، بحسب الباحثين، من أهم العناصر التي ساعدت في ترسيخ الهوية العربية في الصحراء. خاصة في ظل رواج الشعر الحساني الذي كان لقرون وسيلة للتوثيق والتواصل الاجتماعي والسياسي بين القبائل الصحراوية.
وقال الدكتور أحمد الحبشي، الباحث في تاريخ وقبائل شمال أفريقيا، إن قبيلة بني حسان ليست مجرد مجموعة بدوية عابرة للتاريخ. بل هي كيان ثقافي وسياسي ترك بصمة عميقة في منطقة الصحراء المغاربية. إن تمازج أصولها العربية مع الموروث الأمازيغي والأندلسي أسهم في صياغة هوية فريدة ما تزال حاضرة بقوة حتى اليوم.



