سر النسيم المقدس.. كيف حول المصريون الربيع إلى أسطورة خالدة

في قلب الحضارة المصرية القديمة عاش المصريون يحتفون بالطبيعة ويقدسون فصولها فاختاروا تقسيم العام إلى ثلاثة فصول رئيسية وكان فصل الحصاد المعروف باسم شمو يحمل بين أيامه عيدًا مميزًا عرف باسم شم النسيم عيد قديم ارتبط بفكرة بعث الحياة وتجدد الطبيعة وخلق الكون من جديد فكان المصريون يعتبرون هذا اليوم بداية الزمان وولادة الوجود.
سر النسيم المقدس
مع اعتدال الجو وهبوب نسيم الربيع خرج المصريون إلى الحدائق والنيل ينشدون الجمال في مظاهر الطبيعة الفاتنة وفرشوا موائدهم بأشهى أنواع الأسماك النيلية من البلطي والبوري إلى القراميط وكان للفسيخ نصيب الأسد في طقوس الاحتفال باعتباره رمزًا للخصب والحياة وأكملوا الطقوس بالبيض الملون والبصل والخس والحمص الأخضر وكل منها يحمل رموزًا للخلق والنقاء والبعث.
وقبل غروب الشمس تجمع المصريون لمشاهدة قرص الشمس وهو يلامس الأفق في لحظة تعني لهم بداية الحياة من جديد وأقيمت شعائر مقدسة شارك فيها الكهنة والمغنون والراقصون والمهرجون وامتلأت الساحات بعروض مسرحية تروي الأساطير القديمة بينما طاف الكهنة بالتماثيل وسط مواكب مهيبة شارك فيها الجميع دون استثناء.
على ضفاف النيل وفي حضن الحدائق تزينت الاحتفالات بالزهور التي أحبها المصريون واعتبروها مقدسة ونقشوها على جدران المعابد واستنشقوها بعشق فارتدت النساء أثوابًا خفيفة وزينّ شعورهن بالعطور وعلق الجميع البيض الملون في سلال من سعف النخيل على الشرفات وأغصان الأشجار لتباركها أشعة الشمس.
استخدم المصريون البيض كرمز لخلق الحياة مستوحين فكرته من أسطورة تقول إن الكون وُلد من بيضة كونية واعتنوا بتحضير الفسيخ المرتبط بتقديس نهر النيل وعلقوا البصل في البيوت وعلى الأعناق لطرد الأرواح الشريرة وقهر الموت ورسموا الخس إلى جانب معبودات الخصوبة كرمز للنماء والحياة المتجددة.
واليوم ما زالت هذه الطقوس تعيش في قلوب المصريين خرجت العائلات إلى النيل والمتنزهات يحملون أطعمة الأجداد ويلهون بألعاب الزمن الجميل تزينت الفتيات بالزهور وحمل الأطفال سعف النخيل المزين وامتلأت الأجواء بالموسيقى والضحكات من شروق الشمس حتى غروبها بينما تصدر الفسيخ والبيض الملون موائد العيد.
شم النسيم ليس مجرد احتفال عابر بل هو روح مصرية أصيلة توارثتها الأجيال وهو عيد يعبر عن الحياة والخلق والأمل ويجسد ارتباط الإنسان المصري بأرضه ونيله وسمائه مع كل نسمة ربيع تحمل عبير الزهور ينهض إرث الفراعنة ليذكرنا بأن هذا العيد قصة مجد لا تنتهي.



