مدفع الإفطار.. عادة عربية عريقة تحيي لحظة الغروب في رمضان
أسماء صبحي – مع اقتراب موعد أذان المغرب في شهر رمضان، تتجه الأنظار إلى السماء وتخيم لحظة ترقب مهيبة. قبل أن يشق صوت مدوي سكون المساء معلنًا انتهاء الصيام. إنها عادة مدفع الإفطار إحدى أقدم الطقوس الرمضانية في العالم العربي. والتي ما زالت حاضرة بقوة في عدد من الدول رغم تطور وسائل الإعلام والتقنيات الحديثة.
بداية مدفع رمضان
يرتبط ظهور المدفع تاريخيًا بمدينة القاهرة في القرن التاسع الهجري خلال حكم خوشقدم، أحد سلاطين المماليك. وتقول الروايات إن إطلاق المدفع تزامن صدفةً مع وقت أذان المغرب في أحد أيام رمضان. فظن الناس أن السلطان تعمد إطلاقه لتنبيه الصائمين، فاستحسنوا الفكرة، لتتحول إلى تقليد يومي طوال الشهر الكريم.
ومع مرور الوقت، انتقلت الفكرة من مصر إلى عواصم عربية أخرى، فأصبح صوت المدفع جزءًا من المشهد الرمضاني في دمشق والقدس وبيروت والخرطوم. ثم امتد إلى دول الخليج العربي والمغرب العربي ليصبح عادة عربية جامعة تتخطى الحدود.
طقس يومي بين الرمزية والتنظيم
في عدد من الدول، يتمركز المدفع في موقع مرتفع أو في ساحة تاريخية معروفة، ويطلق مع غروب الشمس يوميًا طوال الشهر. في دبي، على سبيل المثال، أصبح المدفع عنصرًا سياحيًا وثقافيًا يتجمع حوله الأهالي والزوار لمشاهدة الطقوس العسكرية المصاحبة للإطلاق.
أما في الرياض، فتتولى جهات رسمية تنظيم عملية الإطلاق وفق ترتيبات دقيقة حفاظًا على الطابع التراثي والجانب الأمني في آن واحد. وفي الدار البيضاء، ما يزال صوت المدفع يعد إشارة حاسمة لدى كثير من الأسر حتى مع وجود تطبيقات الهواتف الذكية التي تحدد مواقيت الصلاة بدقة.
المدفع بين الماضي والحاضر
رغم توفر القنوات الفضائية، والإذاعات، وتطبيقات الأذان، لم يفقد مدفع الإفطار مكانته في الوجدان الشعبي. فالأمر لم يعد مجرد وسيلة لمعرفة موعد الإفطار، بل أصبح رمزًا جماعيًا يختصر لحظة الفرح بانتهاء الصيام.
وتربط كثير من العائلات بين صوت المدفع وذكريات الطفولة. حيث كان الأطفال ينتظرون الطلقة الأولى لينطلقوا نحو موائد الإفطار، فيما تتردد الدعوات والابتهالات في البيوت والمساجد. وهكذا تحول المدفع إلى عنصر من عناصر الهوية الرمضانية يجمع بين البعد الديني والاحتفالي.
طقوس مصاحبة
في بعض المدن، يرتدي الجنود المشاركون في إطلاق المدفع زيًا تقليديًا يعكس التراث المحلي، وتقام أحيانًا فعاليات ثقافية أو عروض شعبية بالتزامن مع الإطلاق. كما تحرص وسائل الإعلام على نقل الحدث مباشرة، في مشهد يعكس استمرار الارتباط بين المجتمع وهذه العادة العريقة.
ورغم أن بعض الدول أوقفت استخدام المدفع لأسباب أمنية أو تنظيمية. فإنها أبقت على رمزيته من خلال تسجيلات صوتية تبث عبر الإذاعة أو التلفزيون حفاظًا على الطابع التراثي.
عادة تتحدى الزمن
مدفع الإفطار ليس مجرد صوت في السماء، بل رسالة يومية تعلن نهاية الصيام وبداية لحظة الامتنان والسكينة. هو تقليد صمد أمام تغير الأزمنة وحافظ على مكانته كأحد أبرز رموز شهر رمضان في العالم العربي.
وفي كل عام مع غروب أول أيام الشهر الكريم يعود الصوت القديم ليدوي من جديد. وكأنه يربط الماضي بالحاضر ويؤكد أن بعض العادات لا تموت بل تتجدد مع كل جيل.



