تاريخ ومزارات

قصر شامبليون.. حكاية هدية حب مرفوضة وتحفة معمارية تحولت إلى قصر مهجور

أميرة جادو

في قلب القاهرة الخديوية، وعلى وجه التحديد في شارع شامبليون الشهير، ينتصب قصر فخم تحكي جدرانه قصة إنسانية غامضة تمزج بين الحب المكسور والرفض الصامت والأسرار المؤجلة، إنه قصر الأمير سعيد حليم باشا، الذي اشتهر بين الناس باسم “قصر شامبليون”، أحد أبرز التحف المعمارية التي صمدت لأكثر من مئة عام، متنقلًا بين أدوار متعددة بدأت بالفخامة الأميرية، مرورًا بقاعات التعليم، وانتهاءً بلقب “القصر المهجور” الذي ينتظر من يعيد إليه الحياة.

هدية الحب المرفوضة

تعود فصول حكاية هذا القصر إلى عام 1896، حين قرر الأمير سعيد حليم، أحد أبرز أمراء الأسرة العلوية، أن يقدم لزوجته هدية استثنائية تعبر عن حبه، فشيد لها هذا القصر الفاخر، إلا أن المفاجأة كانت قاسية، إذ رفضت الأميرة الإقامة فيه، مفضلة قصرها المطل على مضيق البوسفور في تركيا، لتتحول الهدية إلى رمز لحب لم يكتمل.

ورغم ما تمتع به القصر من فخامة في البناء وروعة في الأثاث، ظل خاليًا من السكان، قبل أن يتخذ الأمير قرارًا بإهدائه إلى وزارة التربية والتعليم، ليتحول من قصر ملكي إلى مدرسة الناصرية الإعدادية، التي استمرت في أداء دورها التعليمي وتخريج أجيال متعاقبة حتى عام 2004.

بصمة “لاشياك” الإيطالية

أسند الأمير مهمة تصميم القصر إلى المعماري الإيطالي الشهير أنطونيو لاشياك، صاحب بصمات معمارية بارزة من بينها قصر المنتزه وتجديد قصر عابدين بعد احتراقه، وقد شيد القصر على مساحة تقدر بنحو 445 مترًا مربعًا، وجاء تصميمه على شكل حرف U وفق الطراز الإيطالي الفخم.

كما يتألف القصر من مبنى رئيسي وجناحين يضمان عددًا كبيرًا من الغرف، تتصل جميعها بسلم رئيسي ضخم، بينما تزين الواجهات والجدران تماثيل أسطورية مستوحاة من الحضارتين اليونانية والرومانية، تمتزج بلمسات من الأساطير المصرية القديمة، ليظهر القصر كتحفة معمارية تضاهي أرقى مباني عصره، مثل عمارة بنك مصر والقصور الخديوية الشهيرة.

من “وابور المياه” إلى “شامبليون”

لم يعرف القصر باسمه الحالي نسبة إلى مالكه الأصلي، بل ارتبط اسمه بالشارع الذي يقع فيه، ففي الماضي، كان الشارع يعرف باسم “وابور المياه”، لوجود ماكينة ضخ المياه من ترعة الإسماعيلية إلى أحواض التحلية، في الموقع الذي تشغله اليوم نقابتا الصحفيين والمحامين.

وفي مرحلة لاحقة، حمل الشارع اسم الأمير سعيد حليم، قبل أن يقرر مجلس تنظيم العاصمة في مارس 1923 تغييره إلى “شامبليون”، تخليدًا لاسم العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون مكتشف سر فك رموز حجر رشيد.

ومع مرور الوقت، طغى اسم الشارع على اسم القصر الأصلي، لترتبط التحفة المعمارية في الوعي العام باسم “قصر شامبليون”.

غموض الحاضر ونزاع الورثة

في الوقت الحالي، يشار إلى المبنى بلقب “القصر المهجور”، حيث تحيط به أجواء من الغموض، تعززها نوافذه المفتوحة على ظلام داخلي كثيف، وأشجاره العالية التي تلتف حول جدرانه في قلب وسط البلد.

ورغم إدراجه ضمن قوائم أجمل القصور المهجورة في العالم، ما زال القصر عالقًا في دوامة نزاع قانوني بين ورثة الأمير والجهات المختصة بالآثار، في انتظار مشروع ترميم يعيد إليه بريقه المفقود، وينقذ تحفة لاشياك من الإهمال الذي حوّلها إلى ذكرى غامضة في قلب القاهرة الخديوية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى