تطاوين.. واحة الجنوب التونسي بين تاريخ القوافل وتنوع السكان وقصص الاستقرار عبر القرون

تقع مدينة تطاوين في أقصى الجنوب الشرقي من الجمهورية التونسية، وهي مركز ولاية تحمل الاسم نفسه، كما بلغ عدد سكانها أكثر من 91 ألف نسمة وفق تقديرات المعهد الوطني للإحصاء لعام 2020، و يتمركز أغلب السكان في الجهة الشرقية التي تفصلها سلسلة جبال مطماطة عن الجهة الغربية الصحراوية، حيث تبرز معالم جبال الظاهر والمشهد الطبيعي القاسي الذي يطغى على المنطقة مع ندرة الموارد المائية ومحدودية المراعي.
تاريخ مدينة تطاوين
اسم تطاوين له جذور أمازيغية ويعني العيون الجارية، وتشير الروايات المحلية إلى أن القرية الأولى قامت قرب عيون ما زال الأهالي يسمونها الشريعة، وهي أحد روافد وادي تطاوين القادم من الجبل الأبيض، كما يشكل مدخل تطاوين فجوة طبيعية بين جبلين تعرف بفم تطاوين، وهو معبر رئيسي لكل من يقصد المنطقة شمالا وجنوبا، وقد ساعدت وفرة المياه نسبيا على جعلها واحة عامرة بالنخيل داخل سهل الجفارة.
المصادر التاريخية القليلة التي ذكرت تطاوين تعود إلى القرن التاسع الميلادي، حيث أشار أحمد بن سعيد الشماخي إلى وجود مصلى للعبادة فيها على طريق الحجاج القادمين من المغرب، كما تناولها عدد من الرحالة الفرنسيين في بداية القرن العشرين، واعتبروها واحة صغيرة أقل خصوبة من واحة قابس لكنها ملائمة للراحة بما توفره من مياه ونخيل.
كانت تطاوين أيضا محطة هامة على طرق القوافل التجارية التي ربطت أفريقيا جنوب الصحراء بسواحل المتوسط، حيث عبرتها قوافل غدامس والمتجهة نحو قابس، وشكلت تجارة العبيد وريش النعام والذهب أهم السلع التي تباع في أسواقها مقابل بضائع أوروبية، وكانت القوافل تجد في واحة تطاوين ملاذا للتزود بالماء والحماية عبر قبائل المنطقة.
يمثلون سكان تطاوين مزيجا متنوعا من العرب والأمازيغ، القبائل الأمازيغية استقرت في الجبال مثل شنني والدويرات وغمراسن، بينما سيطر العرب على السهول وأسسوا أنشطة رعوية وزراعية، كما أن العرب ينحدرون أساسا من قبائل الودارنة ذات الأصول الهلالية والسليمية، إضافة إلى الجليدات الأدارسة الأشراف.
شكلت واحة تطاوين مركزا لقبائل الودارنة التي استقرت في المنطقة عبر موجتين للهجرة، الأولى في القرن الحادي عشر مع قدوم بني هلال وبني سليم من مصر نحو شمال أفريقيا، والثانية في القرن السادس عشر مع قدوم الشريف الإدريسي موسى بن عبد الله وأخوته من الساقية الحمراء بالمغرب الأقصى، و أسس هؤلاء كونفدرالية قبلية توزعت على عدة بطون أهمها الودارنة الذين بسطوا نفوذهم على الواحة وسهل الجفارة.
ارتبط النشاط الاقتصادي للودارنة بالزراعة المحدودة وتربية الماشية، إضافة إلى علاقات تكامل مع القرى الجبلية الأمازيغية في إطار ما عرف بعقود الصحبة، فقد وفر العرب الحماية للجبالية مقابل منتجاتهم الزراعية، هذا التوازن ساعد على استمرار نمط حياة يعتمد على تبادل المنافع وسط ظروف مناخية قاسية وموارد شحيحة.



