قبائل و عائلات

قبيلة بني عباد: سادة إشبيلية وحكام الأندلس في عصر الطوائف

أسماء صبحي – عندما نتحدث عن القبائل العربية التي تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ الأندلس فإن قبيلة بني عباد تتصدر المشهد. هذه القبيلة العربية التي تعود أصولها إلى لخم في اليمن لم تكن مجرد جماعة هاجرت مع الفتح الإسلامي. بل تحولت مع مرور الزمن إلى أسرة حاكمة قوية بسطت نفوذها على مدينة إشبيلية ومناطق واسعة من الأندلس. لقد جسدت بني عباد نموذج القبيلة العربية التي استطاعت أن تتحول من مجرد أصل قبلي إلى قوة سياسية وعسكرية وثقافية شكلت جزءاً أساسياً من تاريخ المسلمين في الأندلس.

أصول قبيلة بني عباد

تعود القبيلة في نسبها إلى لخم إحدى القبائل العربية اليمانية الشهيرة. وكان لهذه القبيلة حضور في المشرق العربي قبل الفتح الإسلامي ثم انتقل جزء منها إلى المغرب العربي والأندلس. ومع دخول المسلمين إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، استقر فرع من بني عباد في مدينة إشبيلية. حيث أصبح لهم شأن كبير في المجتمع المحلي، بفضل علمائهم وقضاتهم ومكانتهم الاجتماعية.

بروز بني عباد في الأندلس

برز نجم بني عباد مع تولي القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد منصب القضاء في إشبيلية خلال القرن الحادي عشر الميلادي. وكان شخصية بارزة تمتع بالذكاء والحكمة واستطاع أن يكسب ثقة الناس واحترامهم. ومع ضعف الدولة الأموية في قرطبة ودخول الأندلس في عصر الطوائف. وجد بنو عباد الفرصة مواتية لإعلان استقلالهم السياسي عن السلطة المركزية.

في عام 1023م أعلن أبو القاسم نفسه حاكماً مستقلاً لإشبيلية، ليضع حجر الأساس لأول دولة قوية في جنوب الأندلس بعد انهيار الخلافة. ومنذ تلك اللحظة تحولت قبيلة بني عباد من جماعة ذات نفوذ اجتماعي إلى أسرة ملكية تنافس غيرها من أمراء الطوائف على السلطة.

ملوك بني عباد

بعد وفاة أبو القاسم خلفه ابنه عباد المعتضد بالله الذي وسع نفوذ الأسرة ونجح في ضم عدد من المدن والقرى إلى حكمه. كان رجلاً سياسياً بارعاً جمع بين الدهاء والصرامة ولم يتردد في الدخول في معارك مع جيرانه من أمراء الطوائف لتعزيز مكانة بني عباد.

ثم جاء بعده ابنه الأشهر المعتمد بن عباد الذي يعد من أبرز شخصيات التاريخ الأندلسي. كان شاعراً رقيقاً محباً للأدب والفن لكنه في الوقت نفسه كان قائداً سياسياً وعسكرياً واجه تحديات جسيمة أبرزها ضغط الممالك المسيحية في الشمال وصراع الطوائف الداخلية. ويعرف المعتمد بمقولته الشهيرة حين فضل أن يساق أسيراً إلى المنفى في أغمات بالمغرب على أن يخضع لهيمنة أعدائه: “لأن أرعى الجمال في أغمات خير لي من أن أرعى الخنازير في قشتالة.”

دور بني عباد في عصر الطوائف

كان لبني عباد دور محوري في عصر الطوائف فقد جعلوا من إشبيلية مركزاً سياسياً وثقافياً مزدهراً. واتسعت دولتهم لتشمل قرطبة وبلاد الغرب الأندلسي وباتوا منافسين أقوياء لدولة بني ذي النون في طليطلة وبني الأفطس في بطليوس.

كما لعبوا دوراً بارزاً في مواجهة التهديد المسيحي حيث خاض المعتمد بن عباد معركة الزلاقة سنة 1086م إلى جانب المرابطين ضد ألفونسو السادس ملك قشتالة. وقد انتهت المعركة بانتصار المسلمين، لكنها لم توقف الأطماع المسيحية بشكل كامل.

سقوط بني عباد

رغم مجدهم، لم يدم حكم بني عباد طويلاً. فقد أدت خلافاتهم مع المرابطين الذين جاؤوا من المغرب لإنقاذ الأندلس من الهجمات المسيحية، إلى سقوط دولتهم. ففي عام 1091م، حاصر المرابطون إشبيلية وأطاحوا بالمعتمد بن عباد، لينتهي بذلك حكم الأسرة التي استمرت قرابة سبعين عاماً.

نفي المعتمد وأسرته إلى أغمات بالمغرب حيث عاش بقية حياته في السجن حتى وفاته. ورغم نهايتهم المأساوية ظل بني عباد رمزاً للفروسية والوفاء، وظلت سيرتهم خالدة في ذاكرة الأندلسيين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى