حوارات و تقارير

حمدي قنديل.. من كفر عليم إلى ضمير الإعلام العربي

أسماء صبحي – ولد الإعلامي الكبير حمدي قنديل عام 1936، في قرية كفر عليم التابعة لمدينة بركة السبع بمحافظة المنوفية. داخل أسرة من الطبقة المتوسطة في كنف أبٍ مثقف يعمل ناظرًا لمدرسة وأم متعلمة آمنت بقيمة التعليم والمعرفة. وكان قنديل الابن الأكبر لوالديه وله خمسة أشقاء وقضى الجزء الأكبر من طفولته في مدينة طنطا بمحافظة الغربية. حيث تشكل وعيه الأول وبدأ شغفه المبكر بالقراءة والسياسة.

شغف مبكر بالصحافة

في مرحلة الثانوية العامة، كتب قنديل ورقة بحثية على هيئة مقال صحفي هاجم فيها الملك فاروق بسبب شرائه يخت “المحروسة” بمليون جنيه، وهو ما كان رقمًا ضخمًا آنذاك. منذ تلك اللحظة، أصبح الصحافة هوسه الأول وبدأ يدرك أن الكلمة قد تكون سلاحًا أقوى من أي وسيلة أخرى.

حمدي قنديل بين الطب والصحافة

التحق قنديل بكلية الطب لكنه لم يكمل دراسته بسبب مرض والده ما أدى إلى فصله من الكلية. وبعدها التحق بقسم الجيولوجيا في جامعة الإسكندرية، لكنه لم يشعر بالانتماء لهذا المسار. فقرر إعادة الثانوية العامة مرة أخرى ليحقق حلمه بالعودة إلى الطب وبالفعل التحق بكلية طب القصر العيني بجامعة القاهرة.

وخلال سنوات الجامعة، أسس مع زملائه المجلة الرسمية للكلية والتي تولت دار “أخبار اليوم” طباعتها. غير أن العدد الأول تمت مصادرته بسبب مقال جريء كتبه قنديل انتقد فيه بعض أساتذة الجامعة في واقعة كشفت مبكرًا عن طبيعته النقدية الجريئة.

بوابة العالم

عام 1955، تعرف قنديل على العالم خارج مصر من خلال اتحاد الطلبة العالمي في براغ حيث تلقى دعوة لحضور مؤتمر طلابي. وطلب منه التنسيق مع طالب مصري آخر سيحضر المؤتمر كان اسمه ياسر عرفات. والذي لم يكن آنذاك شخصية معروفة بل طالبًا بكلية الهندسة بجامعة القاهرة.

في ظل أجواء الحرب الباردة، لم تكن الحكومة المصرية تشجع تلك العلاقات الطلابية خوفًا من تسلل الفكر الشيوعي. ومع ذلك، حضر قنديل المؤتمر، ومنها تلقى دعوة لزيارة الاتحاد السوفيتي. حيث التقى بالشاب الروسي يفجيني بريماكوف الذي كان يعمل في القسم العربي بالإذاعة الروسية قبل أن يصبح لاحقًا وزيرًا للخارجية ثم رئيسًا لحكومة روسيا.

عرض العمل في موسكو وقرار العودة

في موسكو، عرض على قنديل العمل في الإذاعة العربية، لكنه تردد وتوجه إلى السفارة المصرية لاستشارتها. وبعد أيام، جاءه الرد في برقية قصيرة: “خالك بيقولك عد فورًا إلى القاهرة”.

وكان خاله المقدم صادق حلاوة، يشغل منصب رئيس قسم مكافحة الشيوعية بوزارة الداخلية، ليغلق بذلك فصلًا مهمًا من مسيرته المحتملة خارج مصر.

بداية المشوار المهني في الصحافة

عام 1956، عرض عليه التوأم الصحفي مصطفى أمين وعلي أمين العمل في مجلة “آخر ساعة” براتب 15 جنيهًا. بدأ قنديل بالرد على رسائل القراء قبل أن يحصل على بكالوريوس الصحافة عام 1960، ثم عين محررًا عام 1961 براتب 25 جنيهًا. وبعد أربع سنوات، حصل على دبلوم الصحافة من برلين مما عزز خبرته المهنية والفكرية.

صدام مبكر مع السلطة

بدأت رحلة قنديل مع التليفزيون المصري عام 1961 من خلال برنامج “أقوال الصحف” لكنه لم يستمر أكثر من خمس حلقات. السبب، كما روى في سيرته الذاتية “عشت مرتين” كان إذاعته خبرًا متعلقًا بالرئيس جمال عبد الناصر. وصلت إليه رسالة مقتضبة عبر رئيس تحرير “الأخبار”: “الوزير بيقولك ريح شوية”.

توجه قنديل بنفسه إلى الرئيس عبد الناصر للاستفسار، وعندما علم الرئيس بما حدث أمر بإعادته إلى برنامجه، في واقعة تعكس حساسية العلاقة بين الإعلام والسلطة آنذاك.

مناصب دولية واستقالة احتجاجية

في عام 1969، عين مديرًا لاتحاد الإذاعات العربية، لكنه غادر منصبه عام 1971 احتجاجًا على تفتيش حكومي للموظفين التقنيين. وبعدها عمل مع منظمة اليونسكو من عام 1974 حتى 1986 متخصصًا في الإعلام الدولي، ليكتسب بعدها بعدًا عالميًا في فهم الإعلام والسياسة.

رئيس التحرير

عاد قنديل إلى التليفزيون المصري عام 1998 ببرنامج “رئيس التحرير” الذي سرعان ما أصبح من أكثر البرامج شعبية. وبحلول عام 2003، بلغ البرنامج ذروة تأثيره حيث هاجم بجرأة مواقف الحكومات العربية من الانتفاضة الفلسطينية وفتح النار على الولايات المتحدة. لينتهي الأمر بإيقاف البرنامج ودفع قنديل ثمن مواقفه.

قلم رصاص وتجربة الخارج

من خارج مصر، قدم قنديل برنامجه الشهير “قلم رصاص” من دولة الإمارات على شاشة قناة دبي. وخلال خمس سنوات، حقق البرنامج نجاحًا واسعًا وشعبية جارفة في الوطن العربي. قبل أن يتوقف فجأة ولأسباب سياسية أيضًا، لتتكرر المواجهة بين الكلمة والسلطة.

مواقف سياسية وجوائز مستحقة

في عام 2010، أصبح حمدي قنديل متحدثًا باسم الجمعية الوطنية للتغيير التي كان من أبرز مؤسسيها الدكتور محمد البرادعي. وفي سنواته الأخيرة، عرفته الأجيال الشابة من خلال مقالاته في صحيفتي “الشروق” و”المصري اليوم”.

نال قنديل العديد من الجوائز أبرزها شخصية العام الإعلامية 2013 من جائزة الصحافة العربية في دبي. تقديرًا لمسيرته ككاتب وإذاعي ومحاضر ودبلوماسي وناشط سياسي ودوره في الدفاع عن قضايا العرب وهمومهم.

شهادته عن الإخوان الإرهابية 

في شهادته السياسية، قال حمدي قنديل إن الرئيس الأسبق محمد مرسي نكث معظم تعهداته بإقامة دولة مدنية حديثة. وانساق خلف الجماعة وتغافل عن تمكينها من مفاصل الدولة. وسكت عن الاعتداء على المتظاهرين في ميدان التحرير، ثم على المعتصمين في قصر الاتحادية. مؤكدًا أن الجماعة خدعت الجميع وفشلت في إدارة الأزمات حتى وصلت القوى المدنية إلى لحظة الصدام الحتمي.

الرحيل وبقاء الأثر

توفي الإعلامي الكبير حمدي قنديل عام 2018 عن عمر ناهز 82 عامًا بعد صراع مع المرض. فرحل الجسد، لكن بقيت الكلمة والموقف والتجربة شاهدًا على مسيرة إعلامي آمن بأن الصحافة رسالة. وبأن الكلمة الحرة قد تكون مكلفة لكنها وحدها القادرة على صناعة الوعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى