وقفة الفقيه في وجه السلطان.. قصة الديروطي الذي لم يخشى سلطاناً

في قاعة فسيحة داخل قلعة قنصوه الغوري، حيث تصدح الأصوات بالأوامر والنواهي، جلس السلطان على عرشه يحيط به رجال دولته، بينما وقف أمامه الشيخ الديروطي، الفقيه الذي لم يعرف الخوف طريقاً إلى قلبه، ولا سكت عن كلمة حق انتظرها الناس بشغف وقلق.
بادر السلطان الغوري بالكلام، نبرة صوته تحمل التوتر والسخط، وسأل الديروطي مباشرة عن سبب انتقاده العلني له أمام العامة في تركه للجهاد، ثم حاول التبرير قائلاً إن السلطنة لا تملك مراكب صالحة للقتال، غير أن الشيخ لم يتردد لحظة، ورد بثقة وثبات قائلاً إن المال الذي تمتلكه السلطنة يكفي لتعمير كل ما تحتاج إليه من أدوات القتال.
لم يتوقف الديروطي عند هذا الحد، بل تقدم بكلامه متحدياً السلطان، وذكّره بماضيه الذي طواه النسيان، حين كان عبداً يُباع بين الناس، حتى منّ الله عليه بالحرية ثم بالإسلام، ثم رفعه إلى مرتبة الحكم والسلطنة، قال له بصوت جهوري إن الموت قريب لا يمنعه طب ولا دواء، وإن المصير حتمي، فلا سلطان هناك ولا حرس، بل قبر مظلم وأنف في التراب، ثم بعث بين يدي حكم لا يظلم أحداً، حيث يُنادَى في الخلائق من له مظلمة عند الغوري فليتقدم، فتظهر آلاف الحقوق والمطالب، لا يعلم عددها إلا الله.
تأثرت نفس السلطان بكلمات الشيخ، لكنه سرعان ما تراجع عن أسلوب المواجهة، فلجأ إلى الإغراء، وأمر بإعطاء الشيخ عشرة آلاف دينار، ظناً منه أن المال قد يخرس هذا الصوت العالي، غير أن الديروطي نظر إليه بثبات وابتسامة لا تعرف الضعف، وقال له بكل وضوح إنه رجل مكتفٍ بتجارته، لا يأكل من أوقاف الناس، ولا يقبل أجراً من أحد، بل وإن احتاج السلطان إلى المال فهو على استعداد أن يقرضه وينتظر عليه.
تلك اللحظة التي وصفها الإمام الشعراني، كانت فاصلة بين رجلين، أحدهما سلطان الأرض، والآخر سلطان الكلمة، كما ظهر الشيخ شامخاً كالطود، رافضاً الانحناء، بينما بدا السلطان كأنه يتضاءل أمام عزة نفسه، وواصل الديروطي مواقفه الصلبة دون أن يتراجع، حتى وافته المنية في العام 921 هجري، ودفن في دمياط داخل زاوية أقيمت تكريماً له، ليظل اسمه حياً، شاهداً على أن الحق لا يموت، وأن الكلمة الشجاعة تبقى خالدة مهما مر عليها الزمان.



