تاريخ ومزارات

محمد بن علي السوسي.. الفقيه المتجول الذي نشر العلم بين جبال الأطلس

أسماء صبحي– في ذاكرة المغرب الثقافية، تتفاوت شهرة العلماء والفقهاء. غير أن بعض الأسماء التي لعبت دورًا مفصليًا في تشكيل الحياة العلمية في المناطق الجبلية لم تنل نصيبها من الضوء. ومن بين هذه الشخصيات يبرز محمد بن علي السوسي، الفقيه والرحالة الذي عاش في القرن السابع الهجري. وجاب مناطق واسعة من الأطلس الصغير ليصبح أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في نشر المعرفة داخل المجتمعات الأمازيغية والعربية آنذاك.

نشأة محمد بن علي السوسي

ولد محمد بن علي في منطقة سوس المغربية، وهي منطقة كانت تُعد آنذاك مركزًا مهمًا للعلماء والمتصوفة وتضم عددًا من المدارس العلمية العريقة. وترعرع في أسرة مهتمة بالعلم والدين، وتلقى علوم القرآن والفقه المالكي مبكرًا على يد كبار شيوخ السوس قبل أن ينتقل إلى فاس لاستكمال تكوينه العلمي.

وقد اشتهر بين زملائه بنبوغه واهتمامه الكبير بالرحلات لصقل العلم فكان يطوف بين المدارس والزوايا بحثًا عن المعرفة. مما جعله حاملًا لمزيج فريد من الثقافة العربية والأمازيغية التي صاغت شخصيته لاحقًا.

العالم الرحالة

بعد سنوات من التحصيل، قرر محمد بن علي أن يعود إلى منطقته، لكنه لم يكتفي بالتدريس في زاوية واحدة بل اختار أن يكون عالمًا متنقلًا. حمل كتبه على ظهر دابته وبدأ رحلات طويلة بين قرى الأطلس الصغير والكبير، مقدمًا دروسًا في الفقه والعقيدة واللغة العربية والسيرة النبوية.

وكانت المجتمعات الجبلية في تلك الفترة تعاني من ضعف في انتشار التعليم بسبب التضاريس وصعوبة الوصول إلى المدن العلمية وهو ما جعل دوره محوريًا. فقد كان يبيت ليلته في زاوية، ويقضي يومه التالي في قرية أخرى، حتى أصبح الناس يلقبونه بـ “الفقيه المتجوّل”.

إرساء قيم السلم والإصلاح

لم يكن دوره علميًا فقط؛ فقد كان سيدي محمد بن علي وسيطًا في حل النزاعات بين القبائل. ومعرفته بالعادات الأمازيغية وقوانين «أزرف» التقليدية، إلى جانب تكوينه الفقهي الإسلامي. جعله قادرًا على الجمع بين المرجعيتين في معالجة الخلافات.

وقد كان يستدعى لحضور مجالس الصلح، خصوصًا في قضايا الأرض والميراث حيث كان رأيه يعد فصلًا في كثير من الأحيان. وهذا الدور عزز مكانته بين القبائل، وخلق شبكة واسعة من التقدير والثقة لا تزال ذكراه محفوظة بها حتى اليوم.

مدارس أنشأها وبرامج اعتمدها

إحدى إسهاماته البارزة أنه ساعد في تأسيس مجموعة من “المكاتب القرآنية” في القرى التي كان يمر بها. فام تكن مدارس رسمية بالمعنى التقليدي، لكنها أماكن مخصصة لتعليم الصغار القراءة والكتابة وحفظ القرآن. وقد وضع منهجًا مبسطًا يعتمد على البدء بتعليم الحروف الهجائية، الانتقال إلى قراءة السور القصيرة، حفظ ما تيسر من القرآن، وتعليم مبادئ الفقه باللغة العربية والدارجة والأمازيغية

هذا المزج بين اللغات مكن الأطفال من فهم الدروس بسهولة. وجعل العلم متاحًا لشرائح واسعة من السكان.

مكانته بين العلماء والمتصوفة

أقام محمد بن علي علاقات قوية مع زوايا وتكايا المنطقة، مثل زاوية سيدي حماد أوموسى وزاوية تمنارت. وكان يحظى باحترام كبير من المتصوفة الذين رأوا فيه عالمًا يجمع بين العلم والعمل والزهد.

كما كانت له مراسلات مع عدد من العلماء في فاس وسجلماسة. وكان يتبادل معهم المسائل الفقهية والفتاوى، مما جعله جزءًا من شبكة علمية ممتدة تتجاوز نطاق المناطق الجبلية.

قال الدكتور الحسين الروداني، المتخصص في تاريخ علماء الأطلس، إن محمد بن علي السوسي شخصية مركزية في نشر العلم خلال القرن السابع الهجري. وأهميته لا تأتي من مؤلفات ضخمة، بل من حضوره المباشر بين الناس. فاستطاع أن ينقل المعرفة إلى مناطق لم تصلها المدارس، وهو ما جعله أحد رواد التعليم الجبلي في المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى