ظل السلطان وخنجر الخيانة في دهاليز القاهرة

في قلب القاهرة القديمة، حيث تختلط أزقة الحجر بأنفاس التاريخ، وحيث لا تنفصل السلطة عن المكر، وُلد محمد بن قلاوون سنة 684 هـ، ذلك الفتى الذي سيحمل لاحقا لقب الملك الناصر، أحد أبرز سلاطين المماليك البحرية، والذي عُرف بذكائه الحاد وتقلب حظه بين العرش والمنفى، حتى صار اسمه جزءا ثابتا من ذاكرة الدولة المملوكية.
لم يكن طريق الناصر محمد إلى الحكم ممهدا ولا مستقرا، بل كان مليئا بالاضطراب والمؤامرات، جلس على عرش السلطنة ثلاث مرات، تارة وهو طفل تحركه أيدي الأمراء، وتارة وهو سلطان قوي يفرض هيبته، حتى انتهت رحلته الطويلة بوفاته سنة 741 هـ، بعد أن صار من أعظم من حكموا دولة المماليك.
غير أن هذه الحكاية لا تتوقف عند شخصية الناصر وحده، بل تمتد إلى الرجل الذي عاش في ظله، ثم انقلب عليه، ركن الدين بيبرس الجاشنكير، الاسم الذي ارتبط بالخيانة والطموح الجامح.
بدأ بيبرس مسيرته في خدمة السلطان المنصور قلاوون، والد الناصر، وتولى وظيفة الجاشنكير، متذوق طعام السلطان وحارسه من السموم،ومع مرور السنوات، صعد درجات النفوذ بسرعة، فصار أستادار القصور، وممسكا بخيوط الإدارة والمال، حتى تحول إلى أحد أقوى أمراء الدولة.
بعد وفاة قلاوون، تولى ابنه الأشرف خليل السلطنة، لكن حكمه لم يطل، إذ اغتاله مملوكه بيدرا الذي حاول اغتصاب الحكم. عندها قاد بيبرس حركة الأمراء ضده، فأنهوا حكمه وأعادوا السلطنة إلى الناصر محمد، وكان لا يزال طفلا لم يبلغ العاشرة.
جلس الناصر الصغير على العرش، لكن الحكم الحقيقي بقي في يد بيبرس، الذي أحكم قبضته على خزائن الدولة وأدار شؤونها بصرامة. شعر الناصر بالخطر، وتأكد أن حياته باتت مهددة، فاختار الهروب بدهاء. أعلن عزمه الحج، لكنه لم يتجه إلى مكة، بل قصد قلعة الكرك في بلاد الشام، ومن هناك بعث بتنازله عن السلطنة.
في القاهرة، اجتمع الأمراء والخليفة، وجرى تنصيب بيبرس سلطانا، فتلقب بالملك المظفر، وبدت له السلطنة وكأنها أخيرا استقرت بين يديه.
لكن الرياح جرت بما لا يشتهي. انتشرت الأوبئة، وتأخر فيضان النيل، وجفت الأرض، واشتد الجوع، ربط الناس بين هذه النكبات وبين السلطان الجديد، فعم السخط، وارتفعت اللعنات في الأسواق، وبدأت الدعوات لعودة الناصر.
أدرك بيبرس أن العرش يتآكل تحت قدميه، فكتب إلى الناصر معلنا تنازله، في رسالة حملت معاني الاستسلام والمرارة، ثم حاول الفرار من القاهرة، غير أن الأقدار سبقته، فألقي القبض عليه وأرسل مكبلا إلى الناصر، الذي عاد إلى الحكم للمرة الثالثة وسط فرحة عامة وزينة ملأت شوارع المدينة.
وقف بيبرس أمام الناصر في مشهد ثقيل بالشماتة والانتقام، واجهه السلطان بتوبيخ قاس، مستحضرا مواقف الإهانة القديمة، حين منعه المال، وحين تجاهل شفاعته، وحين حرمه حتى من أبسط رغباته، كان الكلام ينهال كالسكاكين، وبيبرس يلوذ بالصمت، ثم قال في انكسار، وما يقول المملوك لأستاذه.
رد الناصر ببرود ساخر، أنا اليوم أستاذك.
وفي ليلة قاسية، بعد أن صلى بيبرس العشاء وتوضأ، صدر الأمر الأخير، خنقوه أمام السلطان، ثم أفاقوه ليزيده إهانة، وكرروا ذلك أكثر من مرة، حتى أسلم الروح، وانتهت قصة الملك المظفر نهاية دامية.
عاد العرش للناصر محمد، واستمر حكمه سنوات طويلة، لكن صدى تلك الليالي ظل حاضرا في أروقة القلعة، يروي حكاية سلطة لا ترحم، وطموح يعمي البصيرة، وخيانة تقود أصحابها مهما طال الزمن إلى السقوط.



